الموسادية المنشأ... ابنة ما يطلق عليه بني جلدته "الشيطان ياروحام"، إيتان ليفني، أحد قادة عصابة إتسل التي أسسها وقادها مناحيم بيغن... ابنة صاحب الباع الدموي المشهود له في مجازر النكبة الفلسطينية، وخصوصاً مذبحة دير ياسين... نعني وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني، كانت هذه الأيّام هي الأكثر وضوحاً من باقي زملائها المخاتلين في الحكومة الإسرائيلية، والأكثر صراحةًً من باقي رفاقها المتزمّتين في حزب كديما، بل وسائر المستوى السياسي الإسرائيلي. فهي، وحيث تقود الدبلوماسية الإسرائيلية، في وقت لم يعد يفصلنا فيه إلا بضعة أيام معدودات عن موعد محفل أنابولس البوشي التوظيف، تبدو الأكثر صدقاً، والأقل دبلوماسية من الجميع، وكأنّما لم تعد تجد حاجة حتى إلى معتاد التناغم المستوجب وفق موقعها الرسميّ مع مناورات وأضاليل رئيس وزرائها وزعيم حزبها إيهود أولمرت السلامية... ليفني، وهي تتوجه إلى الولايات المتحدة، سبقت فشاءت أن تمهد للإعلان عن حقبة جديدة تريدها ويريدها الإسرائيليّون المحطة النهائية في مسيرة تهويد فلسطين، ونهاية للمطاف التصفوي الذي يراد الوصول لنهاياثه لقضية قضايا الأمة العربية في فلسطين، وإيذاناً ببدء دفن الحقوق غير القابلة للتصرّف للشعب الفلسطيني... الوقت الآن بالنسبة لابنة "يروحام" هو الأكثر مناسبة لذلك.

ها هي سلطة رام الله، التي تخلت عن كل الخيارات المتاحة للشعب الفلسطيني باستثناء خيارها المفضّل الوحيد التفاوض، تُجلب طائعة إلى أنابولس، بعد أن تأكّد للجالبين أنّها تجرّدت من آخر خيوط ما قالت أنها اشتراطاتها للذهاب سابقاً، وعلى رأسها مطلبها المرحوم "إعلان المبادئ"... وحتى هي تذهب ، ولا وعود جادة بالبدء في بحث ما تصرّ هي دائماً عليه ، أو ما يطلق عليه "قضايا الحل النهائي"، وحيث لا جدول أعمال، و لا جدول زمني... بل ولا ثمة ما قد تم الاتفاق عليه ليتم بحثه...ذاهبة لكرنفال غامض، وتحت طائلة جدول أعمال خفي، سوف ينفض جمعه دون بيان مشترك...و كلّ ما عدا الكلام الأمريكي الإسرائيلي الممنوع من الصرف حول أحجية بوش المسماة ب"حل الدولتين"!!!

تسيبي ليفني، وهي تدعو، أو تؤسس، أو تعلن عن بدء منعطف في مسيرة تصفوية جديدة للقضية الفلسطينية، حاولت مقاربة هذه الأحجية البوشية، وحل ألغازها، أو فضح وضوحها المفضوح أصلاً ما أمكن، أو تكشف ما ترى أنه سوف يفيد في الدفع باتجاه إنجاز هذه التصفية... قالت، وهي تدشّن لمرحلة تصفوية جديدة تستند في إرساء أسسها إلى عوامل ثلاث:

أولاها، الواقع الذي تفرضه معادلة القوة الإسرائيلية الفالتة من عقالها واستشراء الضعف الفلسطيني في مواجهتها الواصل في هذه المرحلة دركاً لا سابقة له. والثانية، استشراء حالة العجز العربي الرسمي، الذي بلغ مبلغاً من انعدام الفعل، ولدرجة لا منطقيّة، بحيث تبدو فيه أمة بكاملها في حالة من غيبوبة إرادة سياسية شبه تامة. والثالثة، هذا التطابق شبه الكامل بين سياسات القوة الأعظم في العالم الراعية لمحفل أنابولس، والضامنة للسياسات التي تطبقها أو تطمح إليها حكومة ابنة "الشيطان ياروحام"، وبالتالي رعاية ما يترتّب من الاستهدافات التصفوية التي تدعو إليها الوزيرة الأكثر وضوحاً وصراحةً هذه الأيام القليلة السابقة على محفل "حل الدولتين" البوشي الغامض... ماذا قالت؟

قالت ما معناه، أن لا أهمية عندها لما سيسفر عنه لقاء أنابولس العتيد بقدر أهمية "أية دولة عربية ستحضر؟"...

هي هنا، ليست في حاجة للقول أن لا ثمة ما سوف يسفر عنه لقاء أنابولس الكرنفالي، أو ما سوف تتمخّض عنه حملة العلاقات العامة للإدارة الأمريكية، الذاهبة بانتهاء العام القادم إلى نهاية وجودها في البيت الأبيض، دونما إنجازات تعتبرها تاريخيّة، بل يرافقها التعثّر في حروبها الكونية ضد عدوها اللامرئي "الإرهاب"، و تلاحقها صورتها المتخبّطة في ورطات احتلالاتها، كما هو الحال في أفغانستان والعراق... لقد قال مثل هذا أيضاً رئيس وزرائها أولمرت:

"أنصح بعدم المبالغة بأهمية الاجتماع وإثارة آمال مفرطة... ٍلكن المفاوضات ستبدأ بعد أنابولس"!

... وقالت مثله وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليسا رايس:

إن نجاح اجتماع أنابولس "هو في الواقع إطلاق المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين لإقامة دولة فلسطينية"، وحيث لا نجاح آخر يؤمل منه، أضافت:

لذا فإن من سيتفاوضون قد "قرروا أن يُنتقل مباشرة إلى المفاوضات، بدلاً من العمل على وضع وثيقة انتقالية من شأنها إضعاف المتفاوضين"!

...إذن، وتحت يافطة هذا الهدف التفاوضي، فالمهم عند ليفني هو فحسب المحصلة التطبيعية المرادة للقاء الغامض، الذي شاءت أن تتكشف استهدافاته من الآن... والمهم عندها وعند أولمرت هو الاعتراف الفلسطيني بما يدعى "يهودية الدولة" كشرط مسبق للوصول لشرك أو أخدوعة "الدولة الفلسطينية" التي ما انفكّ يلقيها في البازار التصفوي الحاوي الأمريكي، نيابةً عن حليفه الإسرائيلي المدلّل... هذه الأخيرة التي تطرح في سياق تعزيز فكرة الأولى، أي "اليهوديّة"، والتي تعني ضمناً، شطب جوهر القضية الفلسطينية الذي هو حق العودة، أو التي سيؤدي الاعتراف بها تلقائيّاً للتسليم الكامل بتصفية القضية الفلسطينية... وربما لمطالبة الفلسطينيين بالاعتذار لمن اغتصب وطنهم!

لذا نحن إزاء مطلب الاعتراف بما يدعى "يهوديّة الدولة" كشرط يملى على فلسطينيّي التسوية لكي تسمح هذه "اليهوديّة" بقيام دويلة فلسطينيّة أخرى موهومة إلى جانبها، حيث لا مقومات واقعيّة بقيت أو أبقاها الإسرائيليّون لإقامتها، وهنا نأتي إلى ما كشفت عنه صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، من أن بوش سوف يتحفنا ب"رؤية جديدة"... ما هي؟

سيلتزم بوش برسالة الضمانات الأمريكية التي سلمت لشارون في العام 2004، وأن لا عودة للاجئين الفلسطينيين، والاعتراف بما يدعى "الواقع الجغرافي"، بمعنى، أسرلة ما تم تهويده في الضفة الغربية المحتلة، حيث المتبقي منها حتى الآن هو ما لا يزيد عن 40% من مساحتها، أو الإعتراف الأمريكي بما فرض من وقائع استعمارية حتى الآن في الضفّة المحتلّة، وعلى رأسه تهويد القدس، إلى جانب ضمّ كتل المستعمرات المسماة بالكبرى! ...فالانتقال إلى ما هو الأهم الآن، ألا وهو "يهودية الدولة"، وما يعنيه ذلك... وصولاً راهناً إلى ما قلنا أنّه وضوح وصراحة ليفني... أي الإفصاح رسمياً عن البدء في الإعداد لمرحلة "الترانسفير"!!!

أجل "الترانسفير" كهدف استراتيجي صهيوني قديم جديد ومستمر، لذا استحقت تصريحات ليفني الأخيرة المتعلقة بالأمر ترحيباً من قبل "ترانسفيري" شهير مثل ليبرمان، الذي أبهجه محافظة الوزيرة رسمياً على تراث والدها، ووفائها لأصولها الموساديّة!

بماذا صرّحت؟

قالت: إن "المطالبة بتعبير قومي في دولة مستقلة مطلب ممكن، لكنه ينتهي في لحظة إقامة دولة فلسطينية من شأنها توفير حل قومي للفلسطينيين أينما كانوا"!

وهذا الحل الذي يعني عندها إنهاء القضية الفلسطينية، عبر تعزيز وتثبيت مقولة "الدولة اليهودية"، يكمن عندها في أن "الدولة الفلسطينية لن تكون فقط حلاً للفلسطينيين الذين يسكنون الضفة الغربية وقطاع غزة وفي مخيمات اللاجئين، بل وأيضاً لأولئك الذين هم مواطنون متساوون الحقوق في دولة إسرائيل، التي هي دولة يهودية من بين الدولتين"!

وعليه، فإن "عملية السلام" عند ليفني هي ذات "منحى تقسيمي"، فيه "تمنح إسرائيل بموجبها أراض للسلطة"، لاحظوا "تمنح" هذه، مع "الاحتفاظ بالسيطرة على الكتل الاستيطانية الكبرى"!

ليفني هنا تبعث الوزير السابق الذي أردته المقاومة الفلسطينيّة يروحام زئيفي من قبره، وتتوعّد ضمناً فلسطيني المحتل من فلسطين العام 1948 بالطرد... وكل ذلك، هو أيضاً رهن اشتراط على سلطة رام الله الإيفاء به سلفاً، هو، كما قالت ليفني، يتمثّل في أنّ تطبيق أي اتفاق مع الفلسطينيين "سيكون مرتبطاً بالحرب على الإرهاب"!

ترى ألهذا سمحت إسرائيل ل 50 مصفّحة خفيفة وألف بندقيّة استقدمت لأمن السلطة بالمرور إلى الضفّة المحتلّة عبر معابر نهر الأردن؟!

لنتذكّر أنّ إسرائيل لم تكتم يوماً هدفها في تحويل هذا الأمن إلى جزء من المنظومة الأمنيّة لدولتها اليهوديّة!

ليفني، وهي تتوجّه لأنابولس، كرّرت ، ما سبق وأن أوضحته لكن بوضوح أكثر هذه المرّة:

"نحن في صراع قوميّ ونتحدّث عن دولتين لشعبين"، والدولة الفلسطينيّة الموعودة، رغم استحالتها، ومهما كان لونها أو طعمها أو رائحتها، هي ستكون "أيضاً حلاً قوميّاً للعرب في إسرائيل"!

ألهذا، يضع سولانا، الناطق عرفاً باسم "المجتمع الدولي"، وثيقة بعنوان "دعم إنشاء دولة من أجل السلام في الشرق الأوسط... إستراتيجية عمل الإتّحاد الأوروبي" ؟!!

إذن، دعونا نتحدّث حول هذه المحروسة "الدولة"، وقد يستمر هذا لمئة عام من التفاوض، ومع ذلك هناك في اسرائيل من يزايد على ليفني، ويتّهمها بالتفريط... النائب في الكنيست عن حزب "الإتحاد القوميّ" آريه الداد، يقول:

لقد "تمّت دولة للفلسطينيّين في الأردن، حيث 70 بالمائة من سكّانها هم من الفلسطينيين، وليفني تريد منح دولة أخرى للفلسطينيين، وهي تعتقد أن العرب في البلاد سيكتفون بذلك، ولكن من يتنازل عن الضفّة الغربيّة لن ينجح في التوقّف عن التنازل عن الجليل والنقب"!!

... ولهذا التفاوض طويل الأجل، بهدف التفاوض وللتطبيع، يتم استدراج العرب، عبر التلويح لهم بإدراج المبادرة العربيّة في جدول المفاوضات الموعودة بعد اللقاء العتيد، أو هذه المفترضة بأنّها ستكون اللاحقة لمحفل أنابولس... إن لحقت!

... العرب الذين بدا وكأن البعض منهم يصدّق وعود من لم يصدّق يوماً في وعد لهم... حتى قبل موافقة اجتماع جامعة الدول العربيّة المنعقد لتدارس الدعوة إلى أنابولس على قبولها... عبّر نيابة عنهم ضمناً وزير الخارجيّة المصري أبو الغيط سلفاً، وباسم الجميع، عن شكره للدعوة الأمريكيّة لحضور اللقاء، وعن تقديره لها، لأنّها، كما قال، تضمّنت "كل ما أتصوّر أن العرب يريدون رؤيته"!!!

بقي أن نقول: أنّ صاحب "رؤية بوش لحل الدولتين" الحقيقي هو شارون، فهو أوّل من نادى بدولة فلسطينة، وليس صاحب الرؤية المزعوم الذي تلقّفها واشتهرت به... كانت "دولة" شارون هذه قد طرحت تحت شعار: أكبر عدد من الفلسطينيّين على أصغر بقعة من الأرض... كان يريد التخلّص من الخطر الديموغرافي الفلسطيني... هذا الهاجس الأبدي والمعبّر عنه راهناً بالإصرار على وجوب الاعتراف ب "يهوديّة الدولة" من قبل فلسطينيّي رام الله كشرط لبدء مسيرة المئة عام من المفاوضات التي قد تلي محفل أنابولس... وإعطاء إشارة البدء نحو محاولة تطبيق مخطّط الترانسفير... هذا الهدف الإستراتيجي الصهيوني العزيز الذي ترى ابنة "الشيطان ياروحام" أنّه آن الأوان المناسب للشروع في تحقيقه!