ينشر بالتعاون مع أبيض وأسود

عندما نفتح ملف "الحياة السياسية" فإننا ندرك أن هناك أزمة في معالجة "التفاصيل" التي تحكم الواقع السياسي، ونحن نريد أيضا أن نخرج من التعميمات التي تظهر في كثير من الأحيان عبر التحليلات أو المقالات أو حتى البيانات السياسية الصادرة عن الأحزاب السورية، فالموضوع بالنسبة لنا هو محاولة باتجاهين:

الأولى – إثارة التفكير بهذه المسألة لأن "الحياة السياسية" ليست "قانون أحزاب" أو إجراءات محددة مثل "إلغاء قانون الطوارئ"، بل هي أيضا بيئة ثقافية ينتج عنها بيئة تشريعية. ومن الصعب اليوم الحديث عن "خارطة سياسية" ما لم يفتح المجال واسعا لمراجعة التجارب الحزبية، وفي نفس الوقت البحث في طبيعة الأحزاب مستقبلا.

الثانية – "استكشاف" الواقع السياسي من خلال الأحزاب الموجودة، او على الأقل الأحزاب التي تحاول المشاركة في الحياة السياسية، سواء تلك الموجودة ضمن "الجبهة الوطنية التقدمية" أو خارجها.

ويبدو من المهم قبل التعامل مع عدد من المواضيع المتعلقة بهذا الملف وضع خارطة الحياة السياسية كما تبدو اليوم في المشهد السوري، فباستثناء "حزب البعث" تبقى بقية الأحزاب عصية على الاستكشاف نظرا لمحدودية نشاطاتها، أو لعدم تمكنها من ممارسة النشاط لأنها خارج البنية الدستورية لسورية، وفي أحيانا اخرى لأنها أيضا خارج "المجتمع"، أي أنها تملك حضورا سياسيا بذاتها غير فاعل في حياة الأفراد.

الخارطة الحزبية السورية

بشكل مبدئي فإن الخارطة الحزبية يمكن أن تندرج ضمن تبوبين: الأول يضم أحزاب الجبهة الوطنية، والثاني باقي الأحزاب الموجودة خارج هذه الجبهة، وهي تعمل بعلم الدولة رغم وجود "قانون الطوارئ". لكن من الصعب استبعاد عدد لا بأس به من الجمعيات التي تتداخل مع العمل السياسي، لأنها ورغم كونها خارج تعمل وفق "نشاط اهلي" لكنها تضم عددا من "معتزلي" الحياة السياسية، وهي أيضا تراقب المشهد السياسي بشكل أو بآخر.

الجبهة الوطنية التقدمية تضم الأحزاب التالية:

- حزب البعث العربي الاشتراكي.

- الحزب الشيوعي السوري جناح بكداش.

- الحزب الشيوعي السوري جناح يوسف الفيصل

- الحزب الوحدوي الاشتراكي العربي.

- حركة الوحدويين الاشتراكيين.

- حزب الاشتراكيين العرب.

- حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي.

- الحزب السوري القومي الاجتماعي.

- حزب العهد الوطني.

هذه الأحزاب تملك تمثيلا برلمانيا ضمن قائمة الجبهة الوطنية التقدمية. التي تحمل تمثيل العمال والفلاحين بما يقارب 51% في حين النسبة الباقية لبقية فئات المجتمع، علماً أن عدد أعضاء الحزب القائد للدولة والمجتمع الممثلين يجب أن يصل إلى 160 عضو من أصل 250.

ان عدد أعضاء العاملين في أي حزب يشكل مؤشرا هاما لانتشاره، لكنه في سورية وبالنسبة لحزب البعث بشكل خاص يعبر عن قوته وتأثيره على باقي الحياة السياسية كونه ووفق المادة الثامنة من الدستور قائد الدولة والمجتمع، فمهما حاول البعض التشكيك بعدد أعضاء الحزب، أو حتى بدرجة انخراطهم ضمن العمل السياسي، ولكن التداخل الواضح ما بين الحزب والدولة يعطيهم تأثيرا واضحا، فمنذ ظهور الجبهة الوطنية التقدمية تم تكريس هذا التداخل حتى أن الفصل ما بين الدولة والحزب بات صعبا.

وإذا كان البعض يقدر عدد البعثيين في سورية بملونيين، فيمكننا أن نتخيل صعوبة نفاذ باقي الحركات السياسية للمجتمع بعد انحسار تيارها وعدم اهتمامها بإيجاد آليات لمخاطبة الناس بعيدا عن الطابع الشعاراتي، فبحكم الدستور يتواجد حزب البعث بكل مرافق الدولة، ونحن هنا لا نحاول تقييم هذا الواقع بل تقديم وصف أولي للمشهد السياسي فيما لو ظهر "قانون أحزاب" جديد. فالحديث عن الحياة السياسية لا بد أن يبدأ من هذا التوزع الذي شكل عبر الزمن واقعا لا يمكن تجاهله، او التقليل من تأثيره ليس فقط على البرامج السياسية بل أيضا على "الثقافة الاجتماعية" التي لا ترى "مؤسسة حزبية" قائمة وفاعلة بقدر "حزب البعث".

بعد عام 2000 سُمح لأحزاب الجبهة بأن ترفع اسمها فوق مكاتبها، وأن تصدر صحفا باسمها، وكان واضحا أن هذه الإجراءات التي سعت إلى تكريس دور هذه الأحزاب انتهت عند حدود كشفت مأزق الحياة السياسية، فكان من الصعب على أحزاب الجبهة إعادة تأسيس وجودها وحضورها في المجتمع دون تحول في بنيتها، أو حتى في برامجها السياسية وعلاقتها القديمة مع "حزب البعث" الذي استمر قائدا للدولة والمجتمع. هذا الموضوع لم يطرح بعد داخل أدبيات هذه الأحزاب، ولو من قبيل النقاش الفكري، فالبعث قام عمليا وخلال مؤتمره القطري العاشر بخطوة اولى في تحوله الداخلي، معلنا صراحة تحوله إلى "اقتصاد السوق الاجتماعي"، ومهما اختلفنا في تفسير هذا المصطلح وتجسيده في خطط التنمية لكنه إعلان عن الخروج من "عملية التحول الاشتراكي" نحو مذهب اقتصادي جديد، حتى في مسألة "قانون الأحزاب" فإنه أيضا بداية للتفكير وليس الممارسة بالضرورة في موضوع "الديمقراطية الشعبية".

الموضوع كما يبدو أن "الأحزاب السياسية" تركت لحزب البعث هذه العملية، ولم تباشر في التعامل مع التحول، أو منح البعد الفكري أولا مجالا أوسع قبل الدخول في أي تكوين إجرائي. ويبدو أن النشاط الحزبي منفصل تماما عن إعادة تشكيل الأحزاب داخل المشهد السوري. فضمن الجبهة الوطنية التقدمية يمكن أن نلحظ النشاط الحزبي وفق خطوط عريضة:

 البلاغات والمهرجانات والمناسبات التي تعتبر النشاط الأكثر حضورا على الساحة السورية بالنسبة للأحزاب، وربما من المفيد مراجعة المواقع الرسمية لهذه الأحزاب لملاحظة أن المناسبات هي تأكيد للحضور الحزبي وليس محاولة لتقديم أفق جديد في ضوء التطورات. يمكن هنا مراجعة موقع الحزب الشيوعي كمثال واحد فقط حيث نقرأ بلاغات أو تغطية لمهرجانات، ومن الناحية الفكرية هناك محاضرات حول خالد بكداش. ، كما يحدث في الحزب الشيوعي جناح بكداش، حيث يتصدر الموقع الرسمي ما نتج عن اجتماعات اللجنة المركزية وهي بمجملها "تقرير" دولي لا يختلف في نوعية خطابه عما كان سائدا في السبعينيات.

 الخط الثاني الأكثر حركة هو ما يتبعه جناح يوسف فيصل من الحزب الشيوعي الذي يصدر جريدة النور. وبعيدا عن الحركة الإعلامية التي تقوم بها جريدة النور، لكن من المهم قراءة مجموعة "المشاريع" الموجودة ضمن وثائق الحزب التي تتحدث عن "الديمقراطية" و "الإصلاح الاقتصادي". لأنها تبدو محاولة لوضع "بيان سياسي" متوافق مع ما يحدث. لكن السؤال هنا عن مدى الاختلاف في هذه "البيانات" عن أي مطالب سياسية أخرى لأحزاب "خارج الجبهة". فأي حزب داخل الجبهة يملك عمليا حضورا في الجهازين التشريعي والتنفيذي، إضافة لوجوده السياسي الرسمي، مما يعني أن "قائمة المطالب" لن تكون مقبولة منه دون برامج تفصيلية، أو مشاريع برامج توضح "استراتيجيات" أكثر من كونها تأكيدا ت على ضرورة التحول أو تسجيلا للمواقف السياسية.

 الخط الثالث يضم بمجمله مجموع الأحزاب "الاشتراكية" وهي أحزاب تصنف أحبانا بـ"الناصرية" ومن الصعب تلمس نشاط خاص بها باستثناء المهرجانات، وهي أحزاب شهدت انشقاقات متكررة، ولا تملك إعلاما منتظما يمكن عبره تتبع مسيرتها بعد عام ألفين، ويشكل حضورها في المناسبات العامة الصورة الوحيدة، حيث يصعب على المواطن العادي التمييز بينها أو معرفة برامجها السياسية.

 الخط الرابع هو الحزب القومي الذي دخل مؤخرا على الجبهة، وهو إضافة لممارسته في تسجيل المواقف السياسية وإقامته بعض الندوات الفكرية ,الا أن ما يميزه هو امتداده خارج سورية، وإذا كان من المبكر معرفة ما يمكن أن يقدمه هذا الحزب كإضافة على "الحياة السياسية" فإنه حتى اللحظة لم يطرح تصورا مفصلا لآلية تعامله مستقبلا وعلى الأخص في حال ظهور قانون للأحزاب.

المسألة اليوم لا ترتبط فقط بتواجد هذه الأحزاب داخل الحياة السورية، سواء توسعت مشاركتها أو تقلصت، لأن السؤال الأساسي هو عن "الإضافة" التي يمكن أن تقدمها هذه الأحزاب على المشهد السياسي عموما. فإذا كان صحيحا أن الحياة السياسية بقيت في ظروف صعبة لمراحل طويلة، لكنها اليوم باتت تمتلك أدوات لا يمكن إغفالها، في وقت نجد أن هيئات ومنظمات "غير حزبية" قادرة على ممارسة نشاطات أوسع من أي نشاط سياسي حزبي.

عمليا فإن الواقع الذي نشهده اليوم إقليميا على الأقل يحاول سحبنا لمرحلة "ما قبل السياسة"، وربما يكفي مراقبة ما حدث في الانتخابات التشريعية للإقرار بأن "النشاط غير المؤطر" سياسيا أكثر قدرة على التحرك داخل مجتمع انفصلت عنه "الأحزاب" باستثناء حزب البعث القادر بحكم الدستور على التعامل مع "المصالح الاجتماعية" بشكل مباشر. ووفق هذه الصورة فإن المشهد السياسي لا يقدم خارطة بالمعنى الدقيق بل فقط مؤشرات عن إمكانية ظهور خارطة في حال صدور قانون للأحزاب، فإشارات قليلة عن هذا القانون كانت كافية لمحاولات تأسيس لأحزاب جديدة بعضها فشل والبعض الآخر بقي "افتراضيا" عبر أسماء مؤسسيه.

أحزاب "المعارضة" والخارطة السياسية

يعتبر البعض أن الحديث عن "المعارضة" في سورية مبالغ فيه، لأن الحياة السياسية تحوي "نشطاء" وليس معارضة بالمعنى الكامل للكلمة، لكن الواقع أن هذه "المعارضة" مهما قلت فاعليتها لا يمكن تجاوزها او اختصارها بـ"نشطاء" فقط لثلاث اعتبارات:

- ربما لأول مرة منذ عقدين تعلن المعارضة عن نفسها ويجمعها "بيان" وأسست مواقع إلكترونية، والأهم من ذلك أن هذا الحضور المتواضع يتم تحت انظار الدولة التي تتعامل معه بشكل لا يختلف عن باقي الدول في العالم عموما.

- تقوم هذه التشكيلات بنشاطات متعددة، فالحضور الضعيف لنشاطها لا يقلل من أهمية هذا التحرك، على الأخص انها حاولت منذ عام 2000 التأسيس لخطوات تحرك مثل "الحوار الوطني"، وطرحت بعض التصورات تحت غطاء "المجتمع المدني". وكانت تحركاتها أيضا تشمل البيانات أو الاحتجاجات أو حتى الحوار مع الدولة.

- التشكيلات المعارضة تحظى بحضور إعلامي في الصحف العربية، وهي تحظى اليوم بقراءات ودراسات، ما يعني أنها غدت جزء من الواقع السوري رغم ضعف تأثيرها.

وبالإجمال فإن ما ينطبق على أحزاب الجبهة ربما ينسحب على "الأحزاب المعارضة"، التي يشكل بعضها امتدادات لأحزاب الجبهة خارج الحياة السياسية الرسمية، وما يمكن ان نواجهه اليوم عبر الأحزاب هو تمايزها عن أحزاب الجبهة باستثناء "المواقع السياسية".. فهل هناك بالفعل افتراقات فكرية أو تمايزات في البرامج السياسية؟

وفق بعض القراءات فإن "المعارضة" طرحت ثقافة التغيير لكنها لم تتحول إلى "قوة تغيير (معقل زهور عدي، موقع كفاية 19 أيار 2005)، لكن هذا "الإقرار" يحتاج إلى تدقيق، فليس هناك انفصال واضح ما بين الثقافة والآلية، وما قدمته المعارضة السورية لم يكن من نتاج عملها، لأن معظمها يعود إلى أصول حزبية شمولية وليس ليبرالية، فالتحول الطويل الذي خاضته باتجاه تبني "الليبرالية" كان بعامل التحولات الدولية، وربما بـ"تقادم" الأنظمة الشمولية في العالم، فهذه المعارضة لم تكن تملك من "قوة تغيير" سوى ما أنتجته ثقافة التغيير في العالم، حتى أن المصطلحات كانت نفسها، والانطلاق من حقوق الإنسان باتجاه الحقوق السياسية لم يكن مختلفا عما حصل في عدد من دول العالم. فثقافة التغيير التي يتم الحديث عنها لم تتبلور بعد ضمن "أحزاب المعارضة"، ولم يظهر "حزب جديد" يطرح مثل هذه الثقافة وفق برنامج يتعامل مع المعطيات السورية بالدرجة الأولى.

بالطبع فإن الحديث عن تضييق الحريات ربما يفوق مسألة التفكير بوسائل "الثقافة الديمقراطية"، لأن التحرك الديمقراطي لا يمكن أن يكون وليد لحظة، وهو أيضا لا يُبنى على مطالب لا تجد مؤسسات أهلية يمكن أن تتحرك من أجلها. وبغض النظر عن حجم المقالات الطويلة والتحليلات التي تناولت المعارضة السورية طوال السنوات السبع الماضية لكن المسألة تبدو وكأنها تدور في حلقة واحدة، أضاف إليها احتلال العراق "حصارا فكريا" جديدا حول تأثير المناخ الإقليمي على سورية، فالتجارب التي تحيط بسورية هي نماذج فاشلة لمحاولات التغير الديمقراطية عنوة كما في العراق، أو سلميا كما في مصر ومناطق السلطة الفلسطينية وحتى في لبنان.

فالعلاقة ما بين ثقافة التغيير وقوة التغيير تحتاج إلى بنية حزبية جديدة حاولت بعض الأحزاب القيام بها، لكنها في النهاية استبدلت الأسماء دون أن تمتلك طاقة على التحرك، كما حصل في "حزب العهد" ضمن الجبهة الوطنية أو الحزب الشيوعي بقيادة رياض الترك الذي تحول الى حزب الشعب الديمقراطي السوري. فهناك ضرورة لتفكير جديد لا يمكن أن ينشأ دون حوار في كل أزمات الحياة السياسية، وإشباع التجارب السابقة بدراسات تستطيع تحرير الأحزاب من تاريخها كي تعيد علاقاتها بالمصالح الاجتماعية سواء عبر الدولة أو ضمن المجتمع الأهلي.

صورة الخارطة السياسية اليوم هي ما يجب إيضاحه، إذا كانت الديمقراطية جزء ضروريا لرسم هذه الخارطة لكنها يجب أن لا تكون مظهرا شعارتيا على سياق "الديمقراطية هي الحل" أو "العلمانية هي الحل" أو غيرها، لأن هذه الضرورات هي مفردات للتعامل السياسي لا تغني عن البحث الدائم عن صياغات جديدة تضمن العودة إلى "الحياة السياسية" وإلى ظهور الأحزاب من جديد كمؤسسات قادرة على التطور والارتقاء بمصالح الناس بدل العودة بها إلى مراحل ما قبل السياسة.

مصادر
سورية الغد (دمشق)