رحيل الرئيس إميل لحود عن كرسي الرئاسة حدث مهم لأغلبية اللبنانيين ، فالرجل جدد له قسراً في أعوامه الثلاثة الأخيرة ، الأمر الذي أحدث شرخاً في الحياة السياسية اللبنانية ، تبعه انهيار أمني تمثل في مسلسل اغتيالات بدأت بالرئيس الحريري ، ومن ثم رحيل سوريا عن لبنان ، وقد كتبنا أكثر من مرة منتقدين وقوف الرئيس لحود متفرجاً على هذا الانهيار في البنيان السياسي والأمني اللبناني ، وتمسكه بكرسي الرئاسة رغم معارضة اغلبية الشعب اللبناني والمجتمع الدولي ، الأمر الذي جعله عاجزاً عن التأثير في إدارة الوضع المتدهور في البلاد.

أجواء التهدئة سادت في مجلس النواب اللبناني في جلسته التي لم تنعقد يوم الجمعة الماضي ، في حين كان المتوقع أن تعم أجواء التوتر وردات الفعل في لحظات الحسم هذه ، لكن تأجيل كل طرف لإجراءاته التصعيدية التي هدد بها ، والاجتماعات التي عقدت بين الفرقاء في الأيام الأخيرة ، خاصة بين الجنرال عون والحريري ، وجنبلاط وبري ، لم تأت من فراغ ، فقد سبقتها تحركات دولية وإقليمية ، وتحديداً اتصالات مكثفة مع سوريا ، وتبعتها زيارة وزير الخارجية السوري وليد المعلم إلى طهران ، الأمر الذي شهدنا معه تصريحات التهدئة من قبل كل الأطراف بمن فيهم طهران ودمشق ، إلى جانب تأجيل أو إلغاء مؤتمر الفصائل الفلسطينية المضاد لأنابوليس والذي كان منويا عقده في دمشق.

ولعل فرصة مؤتمر أنابوليس للسلام ، ودعوة سوريا إلى حضورة بعد تلبية مطالبها وبدعم من الدول العربية في أن تكون الجولان حاضرة على أجندة المؤتمر ، كلها تشير بما لا يدع مجالاً للشك ، إلى أن اسم الرئيس اللبناني القادم سيكون أحد مخرجات مؤتمر أنابوليس ومشاوراته ، بل وصفقاته ، الأمر الذي يشير إلى أن صفقة مرضية لسوريا وبالتفاهم مع إيران في طريقها إلى النضوج ، وهو مؤشر قوي على أن هنالك احتمالات حقيقية لترجمة خطوط قابلة للبناء عليها من خلال مفاوضات جدية على المسارين السوري والفلسطيني مع إسرائيل ، وكنتيجة لها توافق الأطراف الدولية والإقليمية على رئيس لبنان غدا.

نتطلع إلى هذه الصفقة في حال حدوثها ، لأن تكون اختراقاً إيجابياً لحلحلة كثير من الملفات الإقليمية والدولية في المنطقة ، ابتداء من الواقع اللبناني المتأزم والخطير ، مروراً بالوضع الفلسطيني والعراقي المأساوي ، ووصولاً إلى ملف الجولان والعلاقات الإيرانية الأمريكية.

المهم ، أن لبنان على مفترق طرق لا يحتمل أي ضبابية في المواقف ، وتفاهم دولي مع سوريا سيشكل انفراجا للوضع اللبناني المتأزم ، وسيدفع الفرقاء والساسة اللبنانيين إلى تغليب المصلحة العليا للبلد ، فخيار الفراغ أو النزول إلى الشارع ليس في مصلحة أحد ، وصفقة دولية مع سوريا هي محل ترحيب لبناني وعربي ، فمصالح وحقوق سوريا وأمنها هي أولوية عربية ايضاً.