سها مصطفى

ينشر بالتعاون مع أبيض وأسود 28/11/2007

يعد الاتحاد النسائي المنظمة الوحيدة المعترف بها رسمياً لتمثيل النساء في سوريا البالغة نسبتهن من المجتمع 49% وفق الأرقام الرسمية... إلا أنه غير

يعد الاتحاد النسائي المنظمة الوحيدة المعترف بها رسمياً لتمثيل النساء في سوريا البالغة

نسبتهن من المجتمع 49% وفق الأرقام الرسمية...

إلا أنه غير ممثل في الجبهة الوطنية على الرغم من تمثيل الاتحاد العام للفلاحين والعمال، رغم احتكار الاتحاد للعمل النسائي بصفته ممثلاً وحيداً لهن على مدى 30 عاماً من منع المنظمات الأهلية والجمعيات المدنية.

فالنساء اللواتي تبلغ نسبتهن 49% من المجتمع لم يكن ممثلات سوى في الإطار الصورة..ليس إلا..

لذلك لم تختلف الصورة "الوسيلة" وضمن الأطر الأكثر راديكالية في الأحزاب اليسارية عن الأحزاب الإسلامية المتشددة بنظرتها للمرأة...

فعلى سبيل المثال الحزب الشيوعي لديه مرشحة واحدة عن مجالس الإدارة المحلية في مجلس مدينة حمص..

وكذلك في النقابات تمثل الحزب سيدة واحدة في نقابة دمشق..

لذلك لم تكن المرأة سوى وسيلة لتحقيق غاية وهي الإيحاء بأن الحزب إياه (تقدمي ) وفق مفاهيمنا الحزبية "الضيقة"..وهي كباق المواطنين "الحزبيين " مجرد رقم في عدد مرشح للازدياد.

ومن أصل تسعة أحزاب معترف بها في الجبهة لم يرشح سوى ثلاث نساء من البعث والسوري القومي والاتحاد الاشتراكي في انتخابات مجلس الشعب لعام 2003 ..

بينما تبلغ نسبة السيدات البرلمانيات في المغرب 25% وهذا الرقم حقق في انتخابات واحدة، محلياً بعد 30 عاماً من النضال وتحرير المرأة وفق الأدبيات الرسمية وصل عدد النساء إلى 30 سيدة بنسبة 12% من البرلمان..وليس الهدف الاكتفاء بحدود الكم، خاصة عندما لا تستطيع المرأة تمثيل نفسها وحمل قضاياها ومناقشتها تحت قبة البرلمان.

وذلك سيراً على خطا الاتحاد النسائي الذي أكد عدم وجود عنف في سوريا، رغم أنه قدم دراسة حول العنف ضد المرأة، وحتى في هذه الدراسة لم ينسى تسجيل أن المرأة هي من تسبب هذا العنف لنفسها!

وضمن إطار الفكر بشكله العام والحزبي بوجهه الخاص، لا تبدو الحداثة سوى جملة من الكليشيهات الممجوجة التي يختفي خلفها فكر وممارسات أصولية تتناقض وفكر الحزب وممارسات شخوصه في الحياة.

وهو ربما ما لا يمكن البوح به بشكل علني، وانما همساً عن رفقاء النضال وعن كيفية ممارسة التقية في النضال الحزبي المبتسر، وكيفية التعاطي مع المرأة بوصفها الرفيقة، الأخت، الأم، الابنة..

لذلك النهايات واحدة ومتشابهة كما في كل الأحزاب كما في الحياة العامة بما تحمله من أدب وثقافة وحتى إعلام..

هنيئاً لنا، فقد استطعنا مرة أخرى أن نأخذ الفكر دون تحقيق المنجز وحتى تفريغ الفكر من محتواه ..

بوح حزبي جداَ

إحدى السيدات الشيوعيات ذكرت لي بما معناه أنها تتلقى التعليقات والغمز من رفاقها في الحزب على عملها ومشاركاتها الحزبية ما لا تتلقاه من زوجها.

لأنهم ربما حتى الآن لم يستطيعوا أن يجدوا فيها رفيقة درب وكفاح كما تنظر أدبيات حزبهم.

وانما مجرد المرأة الأداة ،الأم، ربة المنزل، وفق خلفياتهم الاجتماعية،دون أن ننتقص من مكانتها!

يمكن تلمس ذلك من خلال طرح نضال أكثر الأحزاب راديكالية لإحقاق المساواة للمرأة، والتي هي انموذج لحركة الأحزاب داخل الجبهة وواقعها النضالي الحزبي..

سوسن زكزك( الحزب الشيوعي) تقول "ان الحزب الشيوعي أول من خصص قضية بين الأحزاب للمرأة، ولكنها القضية (الصغيرة ) هذه ضاعت بين القضايا الكبرى..من شعارات التحرير وتوطيد الاستقلال والدفاع عن السلم العالمي ودعم موقف سوريا الوطني."..

والحزب الشيوعي الذي تعده سوسن من "أوائل الاحزاب التي ناضلت من أجل حقوق المرأة بقي له تنظيم نسائي منفصل عن التنظيم الرجالي إن صح التعبير، وفق صيغة "حرملك وسلملك"!

وفي السبعينات لم يحتوي الحزب المؤسس من عام 1931 سوى امراة واحدة في لجانه المناطقية، وعلى المستوى القيادي لم تدخل النساء حتى 1980 وهذا لم يتحقق لولا نضال النساء المخضرمات في الحزب، لأن الحديث عن معاناة المرأة الحزبية كان مجرد ترف بمنظور الحزبيين الرجال"..

عذراً للتقسيمات الجندرية التي لم نود اقحامها في حديثنا عنوة إلا أنها انموذج لنضال الحزب وتحقيق فكره الايديولوجي، وأعتقد أن النتيجة واضحة بحكم استمرارية القوانين التمييزية بحق المرأة التي بقيت رغماً عن انف اتفاقيات السيداو وغيرها.

ولهذا سر متعلق بكيفية النضال وجديته وجدواه وفق الهوامش المتاحة وبالوقت نفسه مع تغير منظور الحزب وفقاً لزكزك لقضايا المرأة" ففي أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات طالب الحزب تخصيص نسبة 10% من لوائحه الانتخابية للنساء، وفيما بعد تحول هذا الطلب إلى مجرد توصية باختيار النساء والشباب"!

ذلك أن تحقيق حرية المرأة ارتهن كباق القضايا وتأجل لحين الوصول إلى ذلك الحلم الطوباوي الفضفاض (الاشتراكية أولاً) " التي ستكون مفتاحاً سحرياً يحلحل كل العقد..

تقول سوسن " من أصل 85 عضو لجنة مركزية هناك 9 نساء فقط، ومن أصل 16 عضو مكتب سياسي..يوجد امرأة واحدة، وفي رئاسة اللجنة المركزية التي تضم 5 أشخاص لا يوجد أي امرأة، ولم يرشح الحزب أي امرأة للوزارة"..

نضال ورقي حتى الألفية الثالثة!

وبالحديث عن أحزاب الجبهة وصيغة النضال فيها وفق الميثاق سواء لقضايا المرأة أو غيرها، تعطي زكزك انموذجاً عن آلية النضال الحزبي المعتمدة في الجبهة "نحن رفعنا مقترحات للقيادة المركزية للجبهة لرفع حالة الطوارىء والقوانين العرفية وإخلاء سبيل المعتقلين السياسيين، ولكن للأسف المقترحات تبقى موجودة في أرشيف الجبهة"..

لذلك تقول زكزك" حزبنا نظري وليس ثوري فعلياً فيما يتعلق بقضايا المرأة".

إذن هناك من هو في الجبهة ولا يبرر ما يحدث وفق الجبهة، بالوقت نفسه هناك من هو قانع وراض، فأثناء لقائي بأحد أمناء الاحزاب الاشتراكية فتح لي بضع جرائد خاصة بحزبه و منشورات لاحتفاليات مؤتمرات الحزب وقال" انظري ما في صورة ما فيها امرأة"، واستطرد برضا"عدد النسوان عنا ما حالو شي"..

ولدى سؤاله عن الأرقام رفض إعطائي هي، مؤكداً أنه يمتلك كل الأرقام بين يديه ولكنه لا يعطيها لأحد، وعندما وضحت سؤالي عن النسبة قال "يعني حوالي 15%"

وأضاف " لدينا مناضلات كويسات وبيناضلوا منيح، حتى أنه بانتخابات المؤتمر بعضهن رشحن أنفسهن للمكتب السياسي، ولكنهن (لاحظوا هذه الـ"ولكنهن" جيداً) لم ينجحن لإن العمل السياسي ذكوري"!

هكذا يغدو المجتمع الحزبي والمثقف أكثر تناقضاً من المجتمع العادي، فالمجتمع العادي بشخوصه البسيطة بهذا المنظور هو أكثر تصالحاً مع نفسه لأنه لا يتناقض بين ما يدعو إليه وما يعيشه في تفاصيل حياته اليومية..

بينما يظهر الحزبيين كمجموعة من الأشخاص المصابين بانفصام الشخصية، وتتبدى الشيزوفرينيا بشكل فج عندما يوضع الفكر الحزبي على الرف لدى دخولهم مملكتهم الخاصة "المنزل"..

أذكر أنه من ضمن الأشخاص الداعين لليبرالية والديمقراطية معارض سوري شهير لما يفرج عنه بعد، صدمت لدى حضور محاكمته بمشهد نساء أسرته (المحافظين جداً) كي لا نقول "المتزمتة"..

هذا يشمل كل الأحزاب التي لم تكن المرأة سوى مظهراً خارجي أو منجز يدرج ضمن انجازاته الصورية..

كالقول بأننا حررنا المرأة بينما في الحقيقة نحن نعاني من مد يحمل مظاهر دينية لم تشهدها سوريا ولم تعرفها من مرحلة الاستقلال وحتى السيتينات...

إنهم العرب، كالهليكوبتر ضجيجهم أكبر من سرعتهم كما قال الماغوط..

متى نتحرر ؟

عندما نتوقف عن التطبيل والتزمير لكل امرأة "جزرة" تعلق على مذبح "منصب" ما...

مصادر
سورية الغد (دمشق)