تعصف أهوال الحرب المعلنة بعشرات الملايين في بلادنا، بل بمئات الملايين إذا مأخذنا بعين الاعتبار أنها حرب تتراوح بين الأزمات المفتوحة الطاحنة المادية والمعنوية، وبين العمليات العسكرية المدمّرة، الداخلية والخارجية، وفي الحالتين تبرز نتائجها رعبا وقتلاً، وعزلاً وتشريداً، وعرياً وجوعاً! غير أن لهذه الحرب وجهها الآخر الخفي غير المعلن الذي هو من إنتاجها أيضاً، والذي يعبّر عن نفسه في حدود ضيّقة وفي أوساط محدودة، فيبرز ثراء فاحشاً، ورفاهاً مذهلاً، وإنفاقاً مدوّخاً، وبذخاً خرافياً! وهذا الوجه لا يلتفت إليه أحد، ولا تظهر صلته المباشرة الحميمة بالحرب المعلنة وويلاتها، مع أنهما وجهان متكاملان متلازمان لا يتشكل أحدهما بمعزل عن الآخر.

الجغرافيا الاقتصادية العالمية الجديدة!

لقد انعقد مؤخراً في دبي أسبوع مركز دبي المالي العالمي (17-23/11/2007) وحضره، بالإضافة إلى أصحاب العلاقة المباشرة في دول مجلس التعاون الخليجي، خبراء في شؤون المال والأعمال من مختلف أنحاء العالم، وفي مقدمتهم خبراء من الولايات المتحدة الأميركية، وتجدر الإشارة إلى أن كلا من العراق وإيران شريكين في سوق التمويل الخليجي الإسلامي الذي يشكل مجلس التعاون الخليجي أساسه وقاعدته، وقد جرت العادة أن لا تبرز أجهزة الإعلام أخبار مثل هذه الهيئات والنشاطات، فالصحف تذكرها عادة في أخبارها الداخلية وفي صفحاتها الاقتصادية، فكأنما لا علاقة لها على الإطلاق بالسياسات والأزمات والحروب! وبالفعل يبدو أن الكثيرين يعتبرونها كذلك، فيطالعونها عرضاً أو لا يطالعونها أبداً، خاصة وأنها بلغتها المعقدة ومصطلحاتها الغريبة لا تشجع على قراءتها، لكنني وأنا غير الخبير بتقنيات المال والأعمال توقفت عند الخبر الداخلي الذي لا يستوقف قارئاً عادياً مثلي، والمتعلق بأسبوع مركز دبي المالي العالمي (صحيفة الحياة – 9/11/2007) وتمعنت في ما قاله الرئيس التنفيذي لسلطة المركز الدكتور ناصر السعيدي، وإذا بي أرى ما أعتقد أنه الوجه الخفي للحروب المعلنة في بلادنا!

قال الدكتور السعيدي في افتتاح أسبوع مركز دبي المالي العالمي متفائلاً ومبشراً أن حجم السوق الخليجي لتمويل المشاريع (وفي جملته العراق وإيران) قد ارتفع من 750 مليار دولار إلى 1.3 تريليون دولار (أي 1300 مليار دولار!) وأن إجمالي استثمارات دول هذه السوق في ميادين البنى التحتية قد بلغت حالياً 1.07 تريليون دولار (أي أكثر من ألف مليار!) ثلثها (338.4 مليار دولار) يعود لدولة الإمارات العربية المتحدة وحدها! أما عن سبب هذا الارتفاع فيقول الرئيس التنفيذي أنه يعود إلى الزيادة غير المسبوقة في إجمالي الثروة النفطية لدول الخليج التي ارتفعت حوالي 30 تريليون دولار (30 ألف مليار) من عام 1995 وحتى عام 2007، وأن هذا القطاع، أو هذه السوق المالية، تنمو بمعدّل 15% سنوياً! ويتوقع الخبراء العالميون أن تشهد نمواً هائلاً في السنوات القادمة، وأن تصبح بديلاً رئيسياً للاستثمارات التقليدية، حيث منطقة الخليج والشرق الأوسط مهيأة للاستفادة من الجغرافيا الاقتصادية العالمية الجديدة!

إنه عصر نهاية الجغرافيا!

لقد انطلق نشاط المحافظين الأميركيين الجدد في العام 1995، وبلغ ما بلغه في العام 2007 واحتلال العراق أهمه، وعبر هذه السنوات بالضبط ارتفع حجم السوق الخليجية المالية من 750 مليار دولار إلى 1.3 تريليون دولار، وإن الصلة لابد وأن تكون قائمة بين وجهي الحرب، المعلن والخفي، التي نظمها وقادها المحافظون الجدد، ثم إن الخبراء العالميين يتوقعون للسوق المالية الخليجية نمواً هائلاً لأنها تتناغم مع الجغرافيا الاقتصادية العالمية الجديدة، أي مع مشروع الشرق الأوسط الكبير، بدليل أن هذه السوق سوف تصبح بديلاً (مركزياً) للاستثمارات التقليدية (في منطقة الشرق الأوسط) أي للمشاريع الوطنية! وجدير بالذكر أن شركة هاليبرتون الأميركية العملاقة (شركة نائب الرئيس تشيني) قد نقلت مقرّها الرئيسي أو قررت نقله من الولايات المتحدة إلى دبي! وهذا يعني أن الدول العربية الحديثة، الصغيرة جداً وشبه الخالية من السكان، سوف تتمتع بإمكانيات مالية في مستوى الولايات المتحدة، وسوف تعامل كأنها جزء من الولايات المتحدة، وسوف تفصل إمكانياتها التي تتناسب مع حجم أمتها العربية عن هذه الأمة وتربط بالولايات المتحدة! أليست هذه هي الجغرافيا الاقتصادية العالمية الجديدة التي تدمج بلداً عربياً في الولايات المتحدة البعيدة، وتفصله تماماً عن محيطه وأمته فكأنما هو موجود في قارة أخرى؟ إنه عصر نهاية الجغرافيا أيضاً وليس التاريخ فقط كما زعموا!

تصوروا هذا المنطق الرهيب!

غير أن هذا الجهد الرامي إلى دمج بعض البلدان العربية الصغيرة في الولايات المتحدة، أي فصلها مع ثرواتها الهائلة عن أمتها العربية، يصطدم بصعوبات كبيرة ويتعرض لأخطار حقيقية من داخل الدول العربية الصغيرة الحديثة نفسها، ومن خارجها حيث ميادين الحروب المفتوحة على جميع الاحتمالات خاصة في العراق، وأيضاً من التطورات العالمية المعاكسة التي تمثلها روسيا والصين والهند وغيرها، مثل مجموعة دول آسيان العشر، وتحالف دول بحر قزوين الخمس، والصعود المتسارع لمجموعة دول أميركا اللاتينية، ولذلك وقف الخبراء الأميركيون الذين حضروا أسبوع مركز دبي المالي العالمي يحذّرون، فقال ستيفن روتش رئيس مجلس إدارة مورغان ستانلي (فرع آسيا) أن المستهلكين في الولايات المتحدة يقودون عملية الطلب في الاقتصاد العالمي، فالاستهلاك الأميركي يقدّر بحوالي 9.5 تريليون دولار، بينما الصيني لا يتعدّى تريليوناً واحداً، والهندي في حدود 650 مليار فقط، وهكذا إذا تراجعت نفقات المستهلك الأميركي فإن الصين والهند وغيرهما تعجز عن سدّ الفجوة، لأنها لا تتمتع بالزخم الديناميكي (الأميركي) في ميدان الطلب كما يتوهم البعض! لقد أراد الخبير الأميركي أن يؤكد على ضرورة اندماج الاقتصادات الناشئة باقتصاد الولايات المتحدة وأوروبا، خاصة قطاع النفط، حيث الولايات المتحدة هي المستهلك الأعظم للنفط (26 % من الاستهلاك العالمي) وبالتالي فإن ضعف القوة الشرائية للدولار وارتفاع أسعار النفط سوف تضعف قيادة الأميركيين لسوق الطلب العالمي، الأمر الذي يجب أن لا تسمح بحدوثه بلدان النفط وأسواقها المالية، في البلاد العربية خاصة! تصّوروا هذا المنطق الرهيب!

لقد حذّر ستيفن روتش من أن الاقتصاد الأميركي سيواجه مرحلة ركود في العام 2008، أي أن على دول الخليج دعمه كي يحافظ على طاقته الاستهلاكية الداخلية، وذلك بالاندماج فيه، حيث لا توجد بلدان أخرى، حتى الصين والهند والبرازيل قادرة على الاستهلاك بالمقدار نفسه، لأنها دول ناشئة لا تزال تفتقر إلى الزخم الاستهلاكي الذي يتمتع به الأميركيون وحدهم!

هذا هو الوجه الآخر الخفي للحرب المعلنة ضد بلادنا، وإنه لمن المؤسف والمحزن أننا لا نملك خياراً آخر سوى خوض هذه الحروب وربحها، ومن حسن الحظ أن احتمالات ربحها أصبحت واضحة، بصعود قوى المقاومة إلى سوية متقدمة من الكفاءة والفعالية، وباندحار السياسة الأميركية في كل مكان، وتخبط قواتها المحتلة في ميادين القتال جميعها.