من قتل العميد فرنسوا الحاج، ولخدمة أي هدف، وهل هو مرتبط بالأزمة الداخلية؟ الإجابة الواقعية والفورية التي لا تحتاج الى كثير جهد للوقوف عليها، أو الى مصدر يؤكدها، وهي أن الاغتيال في المكان والزمان، وفي شخص العميد الشهيد وموقعه كمدير للعمليات، وجه طعنة نجلاء في صدر قائد الجيش ومرشح الإجماع الرئاسي العماد ميشال سليمان والمؤسسة العسكرية. ولكن في المقلب الآخر للكلام، قد لا يكون منطقيا، وقد يكون ضربا من الغباء توقع إجابة واضحة ترسم صورة الجاني، وفي جو قاتم سياسيا، وطافح مخابراتيا، وفي ظل وجود احتمالات وعوامل متعددة يمكن ربطها بالجريمة، وأصلا ليس ثمة من يملك الإجابة، فضلا عن أن العين الأمنية الداخلية ـ وهنا الأساس ـ بدا جليا أنها إما عمياء عما يجري حولها، أو أنها لا ترى جيدا وسط الزحمة المخابراتية؟ في ظل هذا الواقع، تقاطعت قراءات متعددة للجريمة واستهدافاتها، عند جملة احتمالات وعوامل، اعتبرت الأكثر قربا من التداول الاتهامي بالوقوف خلف الجريمة: أولها: العامل الأصولي، ولغاية ثأرية على خلفية أحداث أبرزها مخيم نهر البارد. ثانيها: العامل الإسرائيلي، ولغاية ثأرية شخصية سياسية، يتوخى منها العدو الخلاص من شخصية كالعميد الحاج مرشحة لتولي قيادة الجيش في العهد الجديد، ومعروف عنه وطنيته والتزامه وقربه، أو بالأحرى، تفاهمه مع المقاومة، ووارث حقيقي وصادق لمبدأ التمسك والحفاظ على العقيدة الوطنية للجيش اللبناني. واسرائيل سبق لها أن حاولت اغتياله ، ولا تريد أن يبقى الجيش في عقيدته الوطنية ومتفاهما مع المقاومة. ويتناغم مع هذا التوجه فرقاء داخليون نادوا منذ فترة، ويعملون في اتجاه تغيير عقيدة الجيش. ثالثها: العامل الداخلي، وثمة قراءة سياسية معارضة لا تستبعد أن تكون خلف الاغتيال محاولة لاغتيال العهد الجديد ولإزاحة قائد جيش معروف بإيمانه بالعمق العربي والوطني. رابعها: وفي العامل الداخلي ايضا، ان الاغتيال جاء بمثابة إطلاق نار على «موكب العماد ميشال سليمان» قبل انطلاقه من اليرزة الى القصر الجمهوري المطل على مسرح الجريمة. وبالتصويب بشكل مركز على قوة الدفع الخلفية والرئيسية، والكامنة في «الأمن»، الذي نجح العماد سليمان في الإمساك به وفرضه من خلال الجيش كمؤسسة جامعة وضامنة لكل الأطراف. وأما الغاية الأساسية فهي من جهة، إظهار هشاشة الشعار الأمني، وزرع التشكيك بالمؤسسة. ومن جهة ثانية، قطع الذراع الأمنية التي يمكن أن يتكئ عليه عهد «الرئيس» ميشال سليمان. وتملك مراجع بارزة في المعارضة اللبنانية رواية مفصّلة، حول مختلف الوقائع السياسية التي أملت خيار ميشال سليمان وارتباطها بالتطورات الإقليمية والدولية، من بيروت الى دمشق، الى العراق، الى طهران، الى أفغانستان، الى الرياض، الى باريس، فالولايات المتحدة الأميركية، وصولا الى «تثبيت» العماد سليمان مرشحا وحيدا لا منافس له لرئاسة الجمهورية. وأما لماذا ميشال سليمان... وفي الرواية ما يفيد في التطلع أبعد من لبنان وصولا الى لبنان: »لنعد الى البداية، ورب ضارة نافعة... القرار 1701 الذي أريد له أن يكبل يد «حزب الله» والمقاومة في الجنوب، أعطى مفعولا عكسيا. الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى وخلال زيارته الأخيرة، سأل بعض قيادات المعارضة «ماذا سيكون موقفكم اذا انتخبت الأكثرية بالنصف زائدا واحدا» وكان الجواب «بمقدوركم أن تتصوروا ما تشاؤون. الأكيد أن رئيس النصف زائدا واحدا لن يصل الى قصر بعبدا». في أفغانستان، يواجه الأميركيون وحلف الأطلسي خطر تمدد القاعدة وطالبان اللذين أصبحا يسيطران على أكثر من نصف الأقاليم. في القمة الأميركية الفرنسية الأخيرة، تعهد الفرنسيون بتعزيز قواتهم ضمن الأطلسي في أفغانستان مقابل أمور اخرى توافق عليها بوش وساركوزي. الأميركيون يعتبرون أنهم حققوا إنجازا وحيدا وفريدا في المنطقة هو «ثورة الأرز»، ولذلك أفرد لها الرئيس الأميركي جورج بوش جزءا من خطابه في انابوليس من خارج سياق المؤتمر نفسه. «هم (الأميركيون) أدركوا أن خيار النصف زائدا واحدا سيجعلهم يخسرون هذا الإنجاز، على الرغم من أن السفير الأميركي جيفري فيلتمان وحتى وقت قريب كان يقول ان المعارضة «هددت أكثر من مرة (كذا وكذا الخ...) ولم تفعل شيئا وهي لن تفعل شيئا». الفرنسيون أعطوا الأميركيين في أفغانستان وأخذوا منهم في المقابل في الملف النووي الإيراني. كما في العراق، حيث يواجه الأميركيون مأزقا مستمرا، وما تراجع العمليات في الآونة الأخيرة إلا نتاج تعاون الإيرانيين والسوريين على الأرض. الأميركيون أقروا بأن تراجع العمليات لعب الدور الأكبر فيه الإيرانيون والسوريون. السوريون كانوا يسمحون بانتقال أربعمئة مقاتل يوميا مثلا، صاروا الآن يسمحون بمئتي مقاتل على سبيل المثال لا الحصر. هناك عملية سياسية ستنجز في العراق. الأميركيون قرروا الانسحاب نهائيا من المدن باتجاه التمركز في قواعد عسكرية ضخمة بعد تقليص أعداد جنودهم. التقرير الأخير للاستخبارات الأميركية حول الملف النووي الإيراني، شكل ضربة كبيرة للإدارة الأميركية، واذا كانت الضربة العسكرية قبل التقرير مستبعدة فإنها صارت صعبة للغاية ولو أن الإيرانيين لا يلغون احتمال الضربة، لكن بالمقابل، صار الأميركيون مدركين أن ردة فعل ايران ستكون سريعة وقياسية. ايران ليست صدام حسين بهذا المعنى والكل يحسب حسابهم. صحيح أن الإيرانيين والسوريين لم يوافقوا على ما جرى في قطاع غزة ولكنهم تمكنوا من استثماره بطريقة أضعفت نفوذ السلطة الفلسطينية. حماس ما تزال متماسكة في القطاع وسلطة محمود عباس تبحث عن إنجاز فإذا بخيار اجتياح غزة وارتكاب المجازر بحق الفلسطينيين أول ثمار أنابوليس. لماذا ميشال سليمان؟ الأميركيون يتعاملون مع لبنان بوصفه مجرد ورقة وساحة للتفاوض. لا يعني لهم شيئا بالمعنى الاستراتيجي سوى الحفاظ على الصورة ـ الإنجاز، أي ثورة الأرز. الفرنسيون والأوروبيون والفاتيكان ينظرون الى لبنان من زاوية مسيحية (كل مسيحيي المشرق والخطر المحدق بهم) ومن زاوية وجود خمسة عشر ألف جندي ضمن اليونيفيل. هم يعتبرون أن انزلاق الموقف يشكل خطرا على المسيحيين وكذلك خطرا على اليونيفيل. المناورة الأخيرة لليونيفيل (بحسب المعلومات الموثوقة) كانت مناورة إخلاء، أي تطور أمني يعني الانسحاب وترك الجيش اللبناني في العراء. الأوروبيون لعبوا دورا في ترجيح كفة سليمان. طرحوا اسمه منذ فترة (الترويكا الأوروبية سعت الى ترشيحه خلال الزيارة الأخيرة ولكن الأكثرية رفضت، وكانوا قد سمعوا موقفا إيجابيا من السوريين والإيرانيين والمصريين، الذين عملوا قبل غيرهم على موضوع ترشيح سليمان وايضاً السعودية). والأهم هو أن الترويكا الأوروبية أبلغت الأكثرية انه في حال تشكيل حكومتين سيكون الأوروبيون مضطرين للتعامل مع قيادة الجيش بقيادة العماد ميشال سليمان. الشعور العام لدى الأوروبيين تحديدا، بأن الخطر الأساسي ليس «حزب الله» بل «القاعدة». هذا واقع العراق وأفغانستان وهذا الخطر عاد الى باكستان. الخطر موجود في فلسطين وحتى في لبنان. لم يعد لبنان ساحة نصرة بل ساحة جهاد وأي مواجهة داخلية تسهل تغلغلهم... ونموذج البارد حاضر في الأذهان. الخلاصة، ان قرار ترشيح ميشال سليمان جوهره الأساس الحد من الخسائر بالنسبة الى فريق الأكثرية. البعد المسيحي ثانيا، اليونيفيل ثالثا والاتيان برئيس غير معاد لسوريا رابعا.

مصادر
السفير (لبنان)