عن مركز أبحاث عالمية في الشؤون الدولية

ثمة علة غريبة المت على ما يبدو ببعض السياسيين الاسرائيليين، وبالكثيرين من نظرائهم الامريكيين وبمعظم النخبة السياسية في اوروبا، وهي الاعتقاد ان هناك فرصة حقيقية لصنع السلام مع سورية، لكن يتعين اولا التضحية بلبنان لتحقيق هذا الهدف. يقول بعض المطلعين على بواطن الامور ان هذه الفكرة ليست سوى مجرد امنية لا قيمة لها، لكن اذا كان الامر على هذا النحو فعلاً فان السؤال هو: لماذا يؤمن بها بعض الاسرائيليين اذن؟ من الواضح ان هناك اسرائيليين لا يعتقدون بجدوى المفاوضات مع الفلسطينيين لانها لن تؤدي لشيء يذكر برأيهم، فاليمين الاسرائيلي لا يريدها اصلا، ويعتقد الوسط ان لا ضرر منها طالما انها يمكن ان تتمخض عن فائدة محدودة، اما اليسار فيرى في المحادثات مجرد قضية واجب على الاقل ويمكن ان تخرج بشيء ما بالنهاية. الا ان هناك مجموعة في اليسار الاسرئيلي المعتدل تعتقد ان عليها تقديم عرض يكون بديلاً لعملية السلام، وتقترح في هذا الاطار منح الاولوية للتفاوض مع سورية اذا فشلت المحادثات مع الفلسطينيين. اذ يبدو ان الكثير من الاحاديث التي تتناول هذه الفكرة تأتي من دوائر حزب العمل ووزير الدفاع ايهود باراك الذي يشعر بالقلق من ان تؤدي تنازلات رئيس الحكومة ايهود اولمرت للفلسطينيين إلى تقويض مصالح الامن الاسرائيلي، ولذا يسعى باراك لاسقاط اولمرت كي يحل محله. ويجادل المتحمسون للحوار مع سورية بالقول ان هذه الدولة تشكل تهديدا امنيا محتملا اكثر من الهجمات التي يشنها الفلسطينيون على الاسرائيليين. كما ترعى سورية ايضا حزب الله في لبنان، وتستطيع التأثير وتحديد ما اذا كانت اسرائيل ستتعرض لهجوم ما من لبنان أم لا. بل ويضيف هؤلاء المتحمسون قائلين انه اذا امكن ابعاد سورية عن تحالفها مع ايران، فإن ذلك سيشكل انتصارا استراتيجيا في عملية اضعاف القوى الراديكالية في المنطقة. لكن ثمة من يشكك بهذا النهج بالقول ان من غير الممكن الاعتقاد بصحته بسبب افتقاره لدليل حقيقي على ارض الواقع. اذ لطالما جعجع هؤلاء المحتمسون لتلك الفكرة بالقول ان سورية تريد السلام أو انها مستعدة لابعاد نفسها عن طهران دون ان يقدموا أي دليل على ذلك. غير ان الشيء الموضوعي الوحيد في اقوال هؤلاء المتحمسين هو ان من مصلحة سورية العمل مع الولايات المتحدة واصلاح اقتصادها والتخلي عن الصراع العربي - الاسرائيلي وما الى ذلك من مثل هذه الاشياء. الا ان المشكلة هنا تتمثل في ان نظام سورية لا يرى الاشياء بمثل هذه الطريقة وذلك لأن مصالحه الذاتية التي حددها لنفسه لا تتطابق مع ما يراه الاسرائيليون. واذا كان المجال لا يتسع هنا لمناقشة هذه المسألة الا اني شرحتها بعمق في كتابي الذي يحمل عنوان: «كل شيء عن سورية». على أي حال، هناك مزاعم كثيرة تدعو الى الشفقة منها على سبيل المثال اصرار العشرات من المراقبين على ان حضور سورية قمة أنا بوليس اظهر انها بدأت تبتعد عن ايران التي عارضت تلك القمة. غير ان هؤلاء المراقبين نسوا ان سورية كانت قد شاركت في عملية سلام استمرت تسع سنوات عارضتها إيران وتضمنت مفاوضات مباشرة مع اسرائيل دون ان يؤثر ذلك اطلاقا على المحور السوري الإيراني. ثانياً، لا تتمثل الاستراتيجية الصلبة في ذلك الرفض السخيف للحوار مع دمشق بل في العمل لمنع النظام من القيام بما يمكن ان يكون مغامرات خطيرة، وتعزيز المعارضة العربية له، وتشجيع القوى اللبنانية التي لا تريد ان يصبح لبنان من جديد لعبة في يد دمشق. ومن المناسب ان نتذكر ان سورية هي الراعي الاساسي للاعمال التي تستهدف الجنود الامريكيين في العراق، وهي مساند رئيسي لحركتي «حماس» والجهاد الاسلامي اللتين تقتلان الإسرائيليين وتحاولان تدمير الاعتدال الفلسطيني، وهذا بخلاف ان سورية تقوم بحملة مركزة للسيطرة على لبنان من جديد. وما من شك في ان دمشق ستصبح اكثر عدوانية اذا ما تمكنت من تعزيز نفسها. ويمكن القول ان السقوط في فخ وقف الضغط وممالأة النظام وتقديم التنازلات اليه سيؤدي الى نفس تلك النتيجة اي زيادة الروح العدوانية لديه. وبالرغم من كل هذا، هناك من يتحدث حول التضحية بلبنان. لكن من غير الاخلاقي بالطبع الانقلاب على الاغلبية اللبنانية التي تقاوم بشجاعة السيطرة السورية الايرانية وحزب الله. ان من الغباء التفكير بذلك، كما ان التحدث حول بيع لبنان من شأنه ان يدمر الروح المعنوية لمؤيدي الحكومة الراهنة الذين يحاولون الان رفض تنصيب رئيس ألعوبة يعمل على اعادة هيمنة دمشق على الحكومة الجديدة فيما بعد. وهل ثمة عاقل يعتقد بحق ان لبنان الذي يهيمن عليه حزب الله، سيكون مسالماً اكثر مع اسرائيل؟ وهل ستكتفي سورية بالحصول على لبنان ولا تتقدم بمطالب اخرى بعد ترسيخ مقدرتها في المستقبل؟ كما يتعين ان ندرك ان تحويل لبنان لتابع يدور في الفلك السوري على نحو مطلق سيكون مقدمة لتعزيز حماس والقوى الراديكالية الاخرى في المنطقة مما يمكنها من التحرك بقوة أكبر ضد اسرائيل. ان الهدوء النسبي الذي ساد في الماضي على الحدود اللبنانية الاسرائيلية ليس سابقة يمكن الركون اليها. ففي ذلك الوقت كان حزب الله ضعيفاً ولم يكن يسيطر على لبنان، كما كانت ايران - حليفة سورية - ليست بالقوه التي هي عليها اليوم. ان الامر مختلف تماماً اليوم لذا من المفيد ان نتخيل ماذا سيحدث في المنطقة اذا ما سيطر حزب الله، وسورية وإيران على لبنان.