ربما لأول مرة يكون الإعلام "متخلفا" عن السياسة، ففترة الأعياد ربما كانت مناسبة لخلق مساحة من التخمين، أو إيجاد رغبة في العودة إلى مرحلة "الوعيد" التي عاشتها المنطقة في السنوات الماضية.. ساركوزي هدد سورية، لكنه عاد لـ"يصحح" سوء الفهم"، أما بوش فربما فوجئ بسؤال فتحدث عن نفاذ صبره، وفي كلا حالتين فإن الإعلام صور ما حدث بطريقته التي سرقت الأبصار على مساحة غامضة.

عمليا فإن الجهاز السياسي في باريس وواشنطن انشغل طوال الأيام السابقة في تفسير كل من تصريحات ساركوزي وبوش، محاولين تفسير ما حدث بانه ليس موجها ضد سورية، وانهم يريدون من دمشق تعاونا أقضل. لكن ومع كل التفسيرات التي صدرت فإن انتخاب الرئيس اللبناني تأجل وهو أمر يضعنا أمام مؤشرين مترابطين إلى حد بعيد:

- الأول أن الجهاز السياسي في كل من واشنطن وباريس لا يملك بالفعل أدوات للتعامل مع الأزمة، فرغم كل التصريحات، وقبل صدور التفسيرات، فإن تأجيل انتخاب الرئيس تم دون ردود فقعل حاسمة داخل الأطراف اللبنانية، فما حدث اقتصر على الحديث عن "وجود بدائل" في حال تعطل انتخاب الرئيس لمرة جديدة، بينما بقي حديث الرئيس الأمريكي عن الانتخاب بالنصف زائد واحد عالقا بانتظار "ظروف" أفضل. ووسط هذا الارتجاج فإن سورية أكدت أنها لن تضغط على المعارضة اللبنانية، وكان واضحا من تصريحات وزير الخارجية السورية أنه يحمل الولايات المتحدة "المسؤولية، بينما اعتبر أن هناك توجها "سوريا – فرنسيا" لحل الأزمة.

- الثاني أن ما حدث هو انعكاس إقليمي على الساحة الدولية، فالواضح أن تنقية الأجواء عربيا لم تنجح حتى اللحظة، وان النائب سعد الحريري صعد لهجة "الموالاة" فور عودته من الرياض. وعلى ما يبدو فإن المملة العربية السعودية تحاول أن تخلق نوعا من الافتراق بين علاقاتها مع منطقة الخليج، وعلى الخص إيران، وبين سياستها تجاه لبنان وسورية، ففي الوقت الذي تمت فيه دعوة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد رسميا إلى الحج، فإن الرسائل التي حملها الحريري بعد عودته من الرياض تشير إلى عدم التوصل إلى توافق بشأن لبنان.

المؤشرين انعكسا مباشرة على تفسير التصريحات لكل من ساركوزي وبوش، لكن اللهجة التصعيدية ظهرت وكأنها ظاهرة إعلامية، فهناك زمن مختلف تماما عن المرحلة التي تلت اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فإقليميا هناك تبدل في "آليات المواجهة" بالنسبة لواشنطن، ورغم أن هذه "الآليات" لم تستقر بعد، لكنها تسعى إلى التعامل مع الأزمة بجدية سياسية، بدلا من "الجدية العسكرية"، وهي ترغب في خلق "تهدئة" في العراق تتيح ترتيب الأوراق من جديد، وهذا الأمر يستوجب عدم إشعال جبهة في لبنان أو "إيران"، وإذا كانت الأمور أكثر وضوحا في الشق الإيراني عبر عدم التوصل إلى قرار بشأن عقوبات جديدة، فإن في لبنان الوضع أكثر تعقيدا، وربما تفضل السياسة الدولية "الانتظار" لأنه أفضل من مغامرة غير محسوبة.