لم تكد الإشاعات تستحيل حقيقة عن قدوم فيروز إلى دمشق بعد جفوة قاربت العشرين عاما؛ حتى أزّت في أسماعنا دون سابق إنذار بعض النشازات الممرضة والتي

اسحبوا أظافركم جميعا من حنجرة فيروز

خالد الاختيار [email protected]

لم تكد الإشاعات تستحيل حقيقة عن قدوم فيروز إلى دمشق بعد جفوة قاربت العشرين عاما؛ حتى أزّت في أسماعنا دون سابق إنذار بعض النشازات الممرضة والتي انبرت تدعو وتنادي وتطالب وتناشد بلغة المنفستوات سيدة الصباحات الدمشقية أن تعدل عن قرارها بالقدوم إلى الشام, بحجة أن السلطة في سوريا هي المنظم لهذه الدعوة, تحت غطاء فعاليات دمشق عاصمة للثقافة العربية.

وأول ما يتبادر إلى الذهن عطفا على هذا المنطق المعوج في التعاطي مع الحياة -قبل أن نلصق بها كلمة ثقافية أو سياسية- هو إن كان لكاتبنا الحصيف صاحب البيان المبين وغيره من مفتي هذا العصر ما يقولونه أيضا وفق شرعتهم فيما تبقى لنا من الهواء الذي نتنفس في هذه البلاد.

أليس الأحرى بنا وسد الذرائع قد آل في تهافته لديهم هذا المآل أن نستنكف بالمعيـّة عن شرب الماء؛ لأن السلطة هي من يدير عنفات (عين الفيجة)؟!

وأن نضرب صفحا عن تناول خبزنا كفاف يومنا؛ لأن الحكم الحالي هو من يضع خطط الطوارئ في وزارة الزراعة التي تستنبت على ما يبدو بدورها القمح عرفيا؟!

وأن نمتنع أيضا وأيضاعن دفن موتانا في هذه الأرض, لأن النظام يحتكر الدفاع عن كامل التراب الوطني؟!

من المؤسي حقا أن هؤلاء الناس الذين ما فتئوا يبشروننا بالأمجاد الطارفة والتليدة للمجتمع المدني المنشود لا ينسون في غمرة اندفاعهم المدني الميمون ذاك سوى المدنيين أنفسهم.

ليمسوا بذلك الأقصر إدراكا والأكفّ بصرا عن رؤية خامات وقامات الناس والبشر, لأنهم عندما ينظرون إلى سوريا لا يرون إلا السلطة, ما يجعلهم أقرب في ذلك إلى التهمة التي يرمون السلطة بها من أنها لا ترى سوى نفسها ومصالحها عندما تجلس لـ(تتمرا) في البلاد, لتغيب عن الجميع في النهاية رؤيا البلد للبلد.

كثيرون يفضلون أن يقلقوا من كون رواتبهم قاصرة عن إسعافهم بثمن بطاقة حضور لحفلة فيروز, محملين الحكومة وزر وتبعات هذا العجز المؤلم والخطير لدى العديد من شرائح المجتمع السوري المفقـّر, على أن (يسمّـوا) أبدانهم بـ(ولدنة) من نمط الزج باسم فيروز في سجال لازالت سمة السفسطة التخوينية هي الغالبة عليه حتى الآن بين أقطاب المعارضة منذ الاجتماع الأخير لإعلان دمشق, على الرغم من أنّ من تبرع -غير مأجور ولا مشكور- بإطلاق ذلك النداء الأسود ضد مجيء فيروز؛ لا يمكن بعد المستجدات الأخيرة داخل (الإعلان) عده ناطقا باسم المعارضة كلها, على أنّ هذا الأخير لا يرعوي عن اعتبار نفسه في جـُمله البائسة تلك لا خطيبا فيهم بل متحدثا باسمهم وأعني (جميع السوريين الأحرار) وأنى له هذا.

فبعد كل هذا العجز والخصاء المزمن عن تقديم بدائل برامجية موضوعية وإن حتى من قبيل الاستشرافي الافتراضي بما يتجاوز التظلم والاستضعافية والنق الممض على المستوى السياسي البحت, لانعدم أصواتا تسترسل في مسيرتها العرجاء محاولة أن تقطع عنا غيث البقية الباقية من أمل قد يلوح في ترنيمة (ترندحها) فيروز بملائكية على مسامعنا المثخنة عرائضا وبيانات.

فيروز ليست بحاجة إلى (نداء) كي يفلتر للسوريين صوتها وطنيا, أو (إعلان) كي يلقنـّها وجهتها أيديولجيا, وهي قادرة تمام القدرة على التمييز بين (أمانة) الكلمة التي تحمل, و(أمانة) الكرنفال التي تصوب الدعوات, فـ(نهاد حداد) لم تبني خلال 77 عاما عزيمتها من (العزائم), ومن المعيب اتهامها بعد ما شهدنا من مسيرة حجها الموسيقي إلى الآن بأن ولائها مرهون لـثقافة (الولائم) وموائدها المنزلة على من لا يقرأ.

وما شيوع هذه الأنباء وسواها مؤخرا جدا إلا دليل نافر آخر على أنّ قياس الوقت بالسنوات الـ6 أو الـ7 أو الـ8 بعد الـ2000 أو قبلها مجرد تعلـّة لا تكاد تخفي الاستمرارية التسونامية لهذا السقم والزناخة في ثقافتنا المحلية, سقم لطالما تشكى وتذمر منه من كان بالضبط أمينا عليه وجزء أصيلا آخر منه.

أولئك الذين يحلو لهم التبختر بالنسخة الوحيدة لسجل نفوس (السوريين الأحرار), محتكرين تلك الحرية في استبداد لا يقل خطورة وعنجهية عن الاستبداد المقابل الذي يقفون ضده.

وإذا كانت البيانات والتقارير والتصريحات التي ترصد استبداد السلطة أكثر من أن تعد وتحصى؛ فمن تراه يتفرغ لرصد هذا التسلط والإقصاء المموه الذي ينتف دون هوادة ريش الجناح الآخر للحرية الطريدة.

سنميز بما لا يترك مجالا لشك في (الأمانة العامة لاحتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية) بين (الأمانة العامة للاحتفالية) و (دمشق عاصمة للثقافة), بالطريقة نفسها التي سنميز فيها في (إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي) بين (الإعلان) و (دمشق التغيير الوطني الديمقراطي).

فمعظمنا لا ينتظر الكثير من هذه (الأمانة العامة) لكننا لا نبرح نتعشـّم في دمشق الكثير مما تتعشـّمه هي فينا, تماما مثلما لا نتوقع الكثير من (الإعلان), من دون أن يهز هذا إيماننا بضرورة التغيير.

ولعل هذه التوقعات في حدودها الدنيا -والتي قد تثير حفيظة بعضهم- تكون في صالح الطرفين معا, فتخفف عنهما عبء ما ينوءان بحمله مما تنضح به أسماؤهما الجليلة التي تخيروها لأنفسهم, وتفسح أمام آخرين مجالا هو رحب للمشاركة في كلا الواجبين المتحدين, ثقافيا سياسيا.

هل ساء أولئك القوم حقا أن يروا فيروز وغيرها وهي تـُغنـِي وتـُغنـّي, علها تنفخ في رميم الثقافة (العاصمة) بعض روح.

هل ترانا ننتظر من أولئك المنرفزين أن يفتحوا دفاتر فيروز القديمة ويحاسبونها مثلا على آثامها الغنائية بعد كل تلك الحفلات والمسرحيات التي قدمتها في سوريا (الأسد) وبشكل شبه سنوي حتى العام 1977, ربما عرفانا منها بما منحتها إياه إذاعة دمشق منذ بداية الخمسينات عندما دعاها مدير البرامج فيها وقتذاك الأمير يحيى الشهابي ومنحها يوما أسبوعيا خاصا بها مع الرحابنة الأخوين؟

أم تراهم سيفرضون على الناس مقاطعة (صبحيات) الإذاعات الرسمية الثلاث -ناهيك عن الخاصة- والتي لم يجرؤ رسمي أو غير رسمي من مدرائها على إزالة أرشيف أغاني الرحابنة منذ ما يقرب ثمانية عقود من غرفة البث المباشر, رغم كل ما اعترى تلك الفترة من الزمن من تبدلات و(جمودات) سياسية؟

أم أنهم سيجمعون كلا على حدة -مثلما ما عودونا- على مقاطعة هذه المناسبة أيضا -مثل ما عودونا-؟

أتركوا لنا متنفسا خارج هذه المعمة الغبراء, والتي لا يكاد يعرف بعض المنخرطين فيها أنفسهم رؤوسهم من أرجلهم, اللهم إلا عندما تتدحرج تلك الرؤوس في الزنازين وراء قضبان القهر والقمع, أو عندما تنزلق بعض تلك الأرجل في مهاوي ودركات ما تتوهمه صراط (الخلاص).

ولتأذنوا لنا بأن نبترد على الظمأ بشربة الحلم الفيروزي هذه, ريثما يتسنى لكم ولغيركم قص شريط افتتاح الفردوس الإصلاحي الديمقراطي الموعود ميدانيا.

لن يطلب أحد إليكم التعفف عن لعن الظلام, فالعنوه ما طاب لكم اللعن, إنما كونوا على ثقة بأننا سنطالبكم أبدا بل ونقف في وجهكم إن تطلب الأمر كي ترفعوا أيديكم عمن يحاول إضاءة بعض الشموع هنا وهناك في عاتي الرياح, أقله إلى أن تتعلموا القيام بهذه المهمة النبيلة بأنفسكم من باب التغيير (الديمقراطي أيضا).