قد تحمل الجولة التي يقوم بها الرئيس جورج بوش هذا الاسبوع الى المنطقة مفاجآت، وخصوصاً بالنسبة الى المحطات التي يمكن ان يتوقف فيها، اضافة الى المحطات السبع الاخرى المعلنة أصلاً ضمن البرنامج الرئاسي. لكنّ المحطتين الوحيدتين اللتين يمكن التأكيد انهما ستبقيان خارج هذه الجولة فهما دمشق وطهران. مع ذلك ستلقي هاتان العاصمتان ظلالهما الكثيفة على كل محادثات بوش خلال هذه الجولة، سواء عندما تتصل المحادثات بالوضع الفلسطيني حيث اعرب بوش عن «تفاؤله» بتوفر ظروف قيام الدولة الفلسطينية قبل انتهاء ولايته، او عندما يجري الحديث عن ازمة الرئاسة اللبنانية، او عندما تسرح عينا الرئيس الاميركي عبر مياه الخليج باتجاه الشاطئ الإيراني.

دمشق وطهران حاضرتان في كل هذه الملفات، وان كان هذا الحضور سلبياً، أي تعطيلياً، من وجهة نظر ادارة بوش. واذا كان هناك تقارب بين الرئيس الاميركي ومضيفيه في تقدير حجم التعطيل الحاصل في الطبختين اللبنانية والفلسطينية، وفي تحديد المسؤول المباشر عنه، فإن الأمر يصبح أقل وضوحاً عندما يتعلق الأمر بالمسألة الايرانية والنظرة الاميركية الى طريقة مواجهتها. فاللغة المزدوجة التي تصدر عن واشنطن حيال الدور الايراني في العراق، الذي بات مسؤولون عسكريون اميركيون هناك يعترفون بـ «ايجابياته» في خفض نسبة التهديدات ضد قواتهم، أو في ما يتعلق بمدى الخطر الذي يشكله السلاح النووي الايراني المفترض بعد التقرير الأخير للاستخبارات الاميركية، هذه اللغة تترك الحلفاء الاقليميين للولايات المتحدة في حيرة حيال السياسة الحقيقية لواشنطن، وهم الذين التاعوا تاريخياً من موجات المد والجزر المفاجئة التي تنتاب هذه السياسة.

ويبدو ان هناك من نبّه بوش الى انه قد يسمع مثل هذا التشكيك في حقيقة النيات الاميركية خلال جولته على الدول الخليجية، فبادر الى القول (في حديث لوكالة «رويترز») انه «سيشرح لهم أن تقرير الاستخبارات يعني ان ايران لا تزال تشكل خطراً» كما سيذكرهم «ان البلد الذي يستطيع ايقاف برنامج نووي يستطيع بسهولة متابعته».

غير ان الأمور لن تكون على مثل هذه الضبابية بالنسبة الى الشأنين الفلسطيني واللبناني. فمع ان بوش حاول اعطاء الانطباع في تصريحاته الأخيرة بأنه سيطالب اسرائيل باحترام التزاماتها المتعلقة بعملية السلام حسب خريطة الطريق، وخصوصاً في قضية المستوطنات، الا ان الجانب المتعلق بما يسميه «امن اسرائيل» بقي العنصر الاساسي الطاغي. فهو أكد مثلاً انه لن يسمح بقيام «دولة ارهابية» الى جانب اسرائيل، في اشارة الى المخاوف من احتمال مواجهة كامل الاراضي الفلسطينية ما يواجهه قطاع غزة حالياً. وبهذا لا يخفي الرئيس الاميركي حقيقة نظرته الى حركة «حماس» المصنفة اميركياً واوروبياً واحد من التنظيمات «الارهابية».

وفي الشأن اللبناني كان الرئيس بوش اكثر وضوحاً بالنسبة الى تحميله سورية المسؤولية المباشرة عن استمرار المأزق. فاعتبر ان تدخلها هو الذي يعرقل الانتخابات الرئاسية، وقال انه سيذكّر «حلفاءنا واصدقاءنا» بأهمية انهاء هذا التدخل في الشؤون اللبنانية. كما لا يخفي دعمه للاكثرية النيابية ولحكومة الرئيس فؤاد السنيورة، وهو الدعم ذاته الذي يتمتع به الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي يواجه ايضاً مأزقاً داخلياً من نوع مشابه وعلى خلفيات مماثلة.

ماذا يمكن ان تحقق جولة الرئيس الاميركي انطلاقاً من كل ذلك؟

وضع بوش عنوانين لجولته هذه: تشجيع السلام بين اسرئيل والفلسطينيين واحتواء «الطموحات العدوانية» لإيران. وسوف يسعى الى حشد القدر الاكبر من القوى الاقليمية حول مشروعه وفي مواجهة قوتي التعطيل اللتين يعتبرهما سبب المشاكل التي يعاني منها حلفاؤه. لكنّ هناك رهاناً لدى كل من دمشق وطهران على فشل المشروع الاميركي انطلاقاً من السوابق ومن عدم جدية الرئيس بوش حيال التزامات السلام مع اسرائيل، فضلاً عن عامل الوقت الذي لا يعمل عادة الى جانب المصلحة الاميركية. وفي هذا سبق الرئيس السوري بشار الاسد الجميع الى تقييم نتائج جولة بوش، في حديث الى صحيفة «دي برس» النمسوية (في 19 كانون الأول الماضي) قال فيه إنه لا يتوقع شيئاً من هذه الجولة. فالوقت بات متأخراً جداً للحديث عن السلام في السنة الأخيرة من عمر هذه الادارة التي ستكون مشغولة خلالها بالانتخابات.