بعد سيطرته على كابول، التي تمثّل منتصف المسافة الآسيوية بين بيونغ يانغ وبغداد، أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش، في خطاب ألقاه في يوم 29 كانون الثاني 2002، أن هناك «محوراً للشر» يضمّ العراق وكوريا الشمالية وإيران. كان ذلك الخطاب إشارة واضحة إلى نية واشنطن ـ بعد النزهة الأفغانية ـ للردّ على 11 أيلول 2001 عبر سياسة كانت تريد جعل العراق الهدف الرئيسي للجولة الأولى من «الحرب على الإرهاب»، وفق ما أورده بوب وودورد، في كتابه «بوش في الحرب»، عما حصل من اقتراح لوزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد ونائبه بول وولفوويتز في الاجتماع الذي عُقد لمجلس الأمن القومي الأميركي في اليوم التالي لضرب البرجين. ومن المرجح أن تلك البداية العراقية كانت ناتجة عن كون بلاد الرافدين هي الخاصرة الرخوة في ذلك الثالوث. من الملاحظ أنّ كوريا الشمالية، بخلاف ليبيا التي تخلّت عن برنامجها النووي في الشهر الأخير من عام 2003 تحت تأثير «الصدمة العراقية»، قد صعّدت خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة مع واشنطن عبر استئناف برنامجها النووي حتى وصلت إلى إجراء تجربتها النووية الأولى يوم 9 تشرين الأول 2006، ولكن على ما يبدو من أجل الدخول في مقايضة ذلك بالجانب السياسي، أي الاعتراف الأميركي بنظام بيونغ يانغ لكي لا يكون مصيره مثل ألمانيا الشرقية واليمن الجنوبي بعد انتهاء الحرب الباردة، وبمساعدات وبإعادة تأهيل اقتصادية لبلد هو في طور التأخّر والمجاعة، وهو ما وصلت إليه الأمور في 13 شباط الماضي عندما وقّعت كوريا الشمالية، بفضل حاضنة إقليمية ضمّت طوكيو وسيول، اتفاق وقف نشاطات منشآتها النووية الرئيسية، حتى انتهى ذلك باتفاقها مع واشنطن في 2 أيلول 2007 على تفكيك منشآتها النووية بالكامل، وهو ما تمّت المصادقة عليه في إطار المجموعة السداسية أواخر أيلول الماضي، حيث أتت زيارة الرئيس الكوري الجنوبي إلى الشمال على أثرها. كان من الواضح منذ البداية أن طهران هي الجوزة الصلبة في ذلك بالنسبة إلى واشنطن، فيما أدّت مآلات الحركة الأميركية في العراق إلى مكاسب إيرانية كبرى من خلال سيطرة الحلفاء المحليين لطهران على بغداد، بينما تحوّل العراق إلى مطب للأميركيّين خلال السنوات الأربع الماضية. بدون هذه المكاسب، لا يمكن تفسير مبادرة طهران إلى تلك الهجومية ضدّ الأميركيّين في شهر آب 2005، بعد انتخاب أحمدي نجاد رئيساً، عبر استئناف برنامج التخصيب النووي الإيراني، وهو ما أدى إلى انتهاء التلاقيات الايرانية ـ الأميركية التي كانت مواضيعها كابول 2001 وبغداد 2003، لتستطيع إيران من خلال هذه الهجومية أن تضع الأميركيين في وضعية دفاعية أثناء تلك المجابهة، التي كان من محطّاتها حرب تموز 2006 وحركة 14 حزيران 2007 الذي نفذتها حركة «حماس» في غزة، الشيء الذي لا يمكن عزله عن تخبّطات واشنطن في المستنقع العراقي، إن لم يكن هذا قد أدّى إلى ذاك. من الواضح الآن أن هناك ميلاً قوياً لمصلحة العامل الإقليمي، ممثلاً في طهران، ضد «الدولي»، أي واشنطن، في الصراع المحتدم بينهما منذ عامين على كامل منطقة الشرق الأوسط، وهو ما لا يمكن تفسير التصعيد الأميركي ضد الايرانيين من دونه خلال الأشهر القليلة الماضية، حيث من الواضح أن هناك تلمّساً عند واشنطن بوجود إمكانية لفشل الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، بدءاً من البوابة العراقية، من خلال تلك الهجومية الايرانية الممتدة على كامل الحيّز الجغرافي الواقع بين كابول وشرقي المتوسّط. تهدف هذه الاستراتيجية إلى «إعادة صياغة» كامل المنطقة، وفق تعبير الوزير كولن باول قبيل أسابيع من غزو العراق، للسيطرة، ولكن ليس على منطقة «الشرق الأدنى»، بل على «الأوسط»، الممتدّ من نقطة الحدود الثلاثية الصينية ـ الأفغانية ـ الباكستانيّة ومنطقة شرق البحر المتوسّط، لذلك كانت كابول نقطة انطلاق كانت السيطرة بعدها على بغداد مؤدّية إلى نشوء فراغ جغرافي، تمثّله بلاد فارس، التي لا يمكن بدونها تشكيل «الجدار الجنوبي» المطوِّق لروسيا بعد أن تمَّت إقامة «الجدار الغربي» الممتدّ بين البلطيق والشواطئ الغربية للبحر الأسود إثر انهيار الكتلة السوفياتية، ولإقامة «الجدار الغربي» ضدّ الصين وامتداداتها المستقبلية نحو غرب آسيا، فيما تتكفّل الهند، المتحالفة مع واشنطن، بآسيا الجنوبية ضدّ الصين. استهزأ الكثيرون في 2002 بمصطلح «محور الشر»، وربطوا الموضوع باعتقادات لاهوتية يؤمن بها بوش، فيما تدلّ مجريات الأعوام، التي تفصلنا عن ذلك الخطاب، على أن هناك استراتيجية أميركية متكاملة تصوّب إلى أهداف محدّدة من أجل تطويق موسكو وبكين عبر السيطرة على الثغرة الاستراتيجية المتمثّلة في كوريا الشمالية. من يراقب تناولات الرئيس بوش للموضوع الايراني، منذ تقرير بيكر ـ هاملتون، أواخر عام 2006، وصولاً لتقرير الاستخبارات الأميركية الأخير عن الملفّ النووي الايراني، يلاحظ إصرار الرئيس الأميركي على تجاوز كلّ الكوابح المحلية أمام سياسته الصدامية مع طهران، مصرّاً، كما صرّح في بداية تشرين الأول، على أنّ «التعامل مع بيونغ يانغ قد يكون نموذجاً للتعامل مع طهران»، واضعاً النموذج الليبي ـ الكوري الشمالي طريقاً أمام طهران لتفادي الحرب، وهو ما يعود على الأرجح إلى إدراك صانعي القرار في واشنطن أنّ حسم الصراع مع إيران سيؤدّي إلى حسم الصراع على الشرق الأوسط، في إدراك لقول الجنرال ديغول إن «من يسيطر على هذه المنطقة يسيطر على العالم»، ما يفسّر تركيز «القطب الواحد» عليها دون بقية مناطق العالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وأفول الثنائية القطبية. هل يقبل الإيرانيون بذلك، أم هم أعطوا رداً متشدّداً ـ ليس معروفاً إن كان نهائياً أم لا ـ عبر استقالة علي لاريجاني في 20 تشرين الأول 2007 من إدارة الملف النووي الايراني، وهو القريب من الإصلاحي هاشمي رفسنجاني، ما يعني انتصاراً لنجاد على جناح رفسنجاني في السلطة الايرانية وابتعاداً عن الحلول السلمية، حيث كان الخلاف بين لاريجاني ونجاد (بعدما قدّم فلاديمير بوتين اقتراحاً جديداً في اجتماع مع السيّد علي خامنئي) سبباً مباشراً لتلك الاستقالة؟ السؤال الرئيسي يبقى: هل تقود انتخابات البرلمان الايراني المقبلة في آذار، إلى تغيير مسار الصراع الأميركي ـ الإيراني، إذا فاز تحالف رفسنجاني ـ خاتمي فيها، باتجاه تسوية ما تتجاوز الحرب والسيناريو الليبي ـ الكوري الشمالي؟