بعد أكثر من عام على عمليات التحفير والتغبير والتعتير التي طاولت كل ساحة رئيسية وكل شارع حيوي في عاصمتنا لم تنته حتى الآن, انطلقت أخيراً فعاليات دمشق عاصمة للثقافة العربية, بحفل شعبي «مبهر» كما خطط القائمون عليه عن سابق إصرار وتصميم, فأضاءت سماءنا المدلهمة أربعون مليون ليرة من الألعاب النارية, تم إحراقها في ساعة واحدة, وسط دهشة الحضور المتجمد من الذهول والصقيع الكانوني وشح المازوت المهدد برفع الدعم. للأمانة, كان العرض رائعاً, فعدا عن كونه الأول من نوعه على مستوى الشرق الأوسط, تمكنا من خلاله من إثبات قدرتنا على تشويم ­ من شام ­عرض طلياني, عبر استبدال الموسيقى الغربية بأغان شامية, والرموز الطليانية برموز سورية, لتتبدى العبقرية ليس في الابتكار بـ«استيعاب» الثقافة العالمية, كما سبق ونجح أشقاؤنا المهرجون الفضائيون في تعريب كل برامج المسابقات والترفيه المسلية والمفيدة مثل «من سيربح المليون» و«افتح قلبك» إلى «أخسر واربح»... التي أسهمت بوضع العرب على سكة التبهير العالمي. إلا أن الأكثر إبهاراً, والأصح عمقاً, هو الرؤية الثقافية للاحتفالية التي انطلقت منها فكرة تقديم حفل افتتاح شعبي لعامة الناس من غير المثقفين كي تصل إليهم الثقافة مثل الماء والكهرباء, وآخر رسمي للنخبة من ذواقة الفن الراقي والشوكولا والكافيار. ما ذكرنا بعادات بادت, درجت عليها كثير من العائلات المحترمة أيام زمان وهي عندما يدعى ضيوف إلى وليمة في بيت, يتم إطعام الأطفال الصغار وإبعادهم عن المائدة قبل قدومهم كي لا يتسببوا بالإزعاج والفوضى... وربما هكذا ينظر القائمون على أمانة العاصمة الثقافية لعامة الشعب فهي ترضيهم بعرض «عالمي» يزغلل أبصارهم, ليذهبوا إلى الفراش باكراً, فيرتاحوا ويُريحوا, قبل قدوم كبار المدعوين من الذين جرى انتقاؤهم لحضور الحفل الرسمي والنشاطات الفنية الراقية كحفل السيدة فيروز مثلاً... بغض النظر عن كون غالبية شعبنا العنيد تعيش بالإكراه صياماً مفتوحاً عن الثقافة, لأن تثقيفه لا يعني أحداً من المعنيين, ولقصر ذات يد الشعب في تثقيف ذاته المشغولة بتأمين الرغيف أولاً ومن ثم التلفزيون و «كماليات» لا تشمل حتما ما يمت للثقافة الجادة بصلة, لا كتاباً ولا سينما أو مسرحاً وموسيقى... ولن يطول الزمن لتنقرض المتابعة لهذه المجالات الإبداعية في مجتمعنا, لا لشيء بل لأن القائمين على الثقافة لا يبدون اهتماماً بتوفير البيئة الملائمة لتفعيل الحياة الثقافية على المستوى الشعبي. ففيما تهتم محافظة دمشق بتقبيع وترقيع دوري للأرصفة والشوارع والساحات, لا تفطن لبناء صالات عرض مسرحي وسينمائي وموسيقي في ضواحي دمشق, لأننا شيدنا دار الأوبرا وكفى المؤمنين شر القتال. وكي لا نفهم خطأ لا يعد هذا تلميحاً للميزانية الكبيرة التي رصدت لأمانة العاصمة, لأن «العليق لا ينفع وقت الغارة» وإنما هو تساؤل مطروح على الحكومة عما إذا كانت عدة سنوات­منذ تم تحديد موعد «دمشق عاصمة ثقافية» ­ كافية لتهيئة أمكنة وتجهيزها وترميم ما تلف منها, ليس فقط في دمشق بل في المحافظات والبلدات الصغيرة النائية التي نعمت في الخمسينيات والستينيات بصالات سينما ومسرح تتحدث عنها كذكريات عجوز ذرت شبابها الرياح, مثلما بطل الاهتمام بالثقافة جيلاً بعد جيل. وكيف حضرت حكومتنا لهذه المناسبة, وما الاستراتيجية التي رسمتها لتخلي مسؤوليتها عن تكريس ثقافة الاستهلاك وتفشي الإسفاف, التي استمرأنا انتقادها واتهام فورة التلفزيون ووسائل الاتصال بسرقة جمهور الثقافة الأصيلة. ما يقود إلى طرح هذا التساؤل, التحضير للعاصمة الثقافية التي طبخت على عجل, وكأن موعدها قرر على حين غرة, ظهر هذا بوضوح في المؤتمر الصحفي الذي دعت إليه الأمانة العامة, للإعلان عن انطلاق الفعالية, فتمت تلاوة برنامج الأشهر الثلاث الأولى فقط, وبعناوينه العريضة, وهو ما يفترض أن يكون برنامجاً لعام كامل مطبوعاً وموزعاً على وسائل الإعلام قبل أشهر لا أسابيع... ناهيك عن مفاجأة تغير «لوغو» الاحتفالية دون سابق إنذار, بعد استخدام اللوغو الأول بثمانية أشهر. بينما كان وببساطة متناهية, يمكن الإعلان عن تغييره في إعلانات طرقية تزين العاصمة, وتُعرف الناس بالمناسبة التي نبشت أحشاء مدينتهم من أجلها. حتى حفل الافتتاح الشعبي في ساحة الأمويين, لم يعلن عنه في موقع شغلته لمدة أسبوع المعدات الثقيلة لتركيب تجهيزات العرض, وكان المارة يتساءلون عما يجري فتختلف التكهنات مثل أن «الحكومة تخبئ لنا مفاجأة» ويا لها من مفاجأة ستتبعها بلا شك مفاجآت تلوح بالأفق, أولها أن المؤتمر الصحفي اقتصر على الأمينة العامة, التي تولت مهمة تلاوة برنامج الاحتفالية على حشود الإعلاميين المحشورين في قاعة ضاقت, وتعثرت بالإجابة عن أسئلتهم, في وقت من المفترض أن يكون إلى جانبها على الأقل وزراء الثقافة والسياحة والإعلام ومحافظ المدينة, كممثلين للجهات المعنية مباشرة بالعاصمة الثقافية والذين من المفترض إن توجه إليهم إلى جانب الأمانة العامة الأسئلة عن التحضيرات والتنسيق والرؤية الثقافية والسياسية التي ترتكز عليها النشاطات, وبرامج التحسينات والإعلام, لكن هؤلاء «غابوا» للأسف, وبحسب علمنا «لم يتغيبوا», لأن أحدا لم يخبرهم بأنهم معنيون, أو ربما لأن أحداً قال لهم انتم «غير معنيين», وفي الحالتين لنا أن نقدر حجم التنسيق بين هذه الجهات, وبالتالي أن نقدر نسبة نجاح عاصمتنا الثقافية التي انتظرناها طويلاً, كفرصة لعرض ما لدينا بمعنى سوريا الشام التي صدرت أجيالاً من المثقفين والمبدعين إلى العالم العربي وأسهمت في تكوين الثقافة العربية منذ مطلع القرن الماضي, وحسبها هذا. إن دمشق بدورها وإسهاماتها, ليست محض مدينة سياحية تحتاج إلى عمليات تجميل وإزالة تجاعيد وشد ونفخ بالمليارات لنتشدق بالقول «إنها أقدم مدينة مأهولة بالعالم», خصوصا أن الحلبيين عندما كانت مدينتهم عاصمة للثقافة الإسلامية, نبشوا معلومات تثبت أن حلب أقدم من دمشق, وبالتالي صارت هذه الجملة الإعلانية «قديمة» ويتوجب البحث عن غيرها وتجاوز الترداد الببغائي السياحي, ومحاولة القيام بفعل ثقافي يعيد الاعتبار, فعلاً لا دعائياً, لدمشق الشام منارة وحضارة لا عمارة مبندقة وشوارع مرقعة. وعليه ننصح ولوجه الله المعنيين بسماع أغنية غسان رحباني: «ركّز يا سليم ركّز ركّز قاعد محتار ومش قاعد ركّز يا سليم».