يصر بعض اللبنانيين القضاء على كل شيء جميل في بلاد الأرز، ويعمل هذا البعض بكل حماس على تهديم كل ما تبقى من روعة وبهاء في هذا البلد الذي دمرته الحروب الإسرائيلية والأهلية المتعاقبة عندما أقحم قضية مشاركة فيروز في احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية.

ودعاها لعدم المشاركة، مقحما السياسة بالفن، وخالطا بشكل مبهم وغير مفهوم بين الوطني والقومي، وبين العدو والصديق وما بين الجار وما بين الغريب، بحيث يتم صياغة لئيمة للعلاقات التاريخية بين لبنان وسوريا،

أو بالأحرى بين الشعبين اللبناني والسوري هي الأولى من نوعها منذ عقود، وهي تأسيس لعداوة مصطنعة مطلوبة لضرورات شخصية وآنية ومصلحية وتحكمها عقد نفسية وغرائزية متوحشة، افقدها تغلل المرض التمييز بين الهامشي والواقعي.

لا نبالغ في القول إن صوت فيروز كان واحدا من أهم الوسائل الفعالة التي حمت لبنان طوال سنوات المحنة التي عصفت بهذا البلد الوديع من الضياع والسقوط في براثن الفتنة والحروب الفتاكة التي نظمتها إسرائيل ضد لبنان

إلى جانب إرادة البقاء التي كانت أكبر من إرادة الموت في هذا الشعب العنيد حيث انتصرت فيه إرادة الحياة بشكل مذهل وعاد إلى دوره الطليعي أقوى مما كان، ينافس في تصدير ثقافة التسامح والمحبة إلى العالم بأسره.

لقد انقسم اللبنانيون في عز المحنة إلى دويلات وكيانات متناحرة ولكن الذي كان يوحدهم صوت فيروز، فهو الوحيد الذي كان يملك إرادة ساحرة، تلغي كل الفوارق وهو الوحيد الذي كان يعيدهم إلى رشدهم ووعيهم.

لا نجافي الحقيقة عندما نعترف بأن عاملين اثنين أعادا لبنان إلى بهائه وتماسكه صوت فيروز سفيرة لبنان إلى النجوم كما يلقبونها، والجيش السوري الذي دخل إلى لبنان وأنهى الميليشيات وأسقط دويلاتها التي عاثت فسادا بالبلاد والعباد لأكثر من خمسة عشر عاما

وساعدت بإرساء قواعد دولة جديدة بالتعاون مع الأشقاء العرب الذين كان لهم دور مهم في العودة السريعة لهذا البلد الطيب إلى الحظيرة العربية لكي يلعب دوره الطبيعي والفعال، كما كان في الماضي القريب، خالعا عن كاهله ثوب الحروب الوسخ، الذي ادخله بمتاهات القتل المجاني،

وارتبطت قضيته بنصف قضايا الكرة الأرضية كما قالت الفنانة ماجدة الرومي في صرختها المدوية مؤخرا ضد السياسيين الذين يمارسون عبثهم المجنون وأوصلوا لبنان الأخضر إلى شفير الهاوية بعدما استعاد هدوءه ووحدته.

لا يجد المراقب أي تفسير موضوعي لإقحام اسم فيروز في الدوامة السياسية الحاصلة على الساحة اللبنانية سوى أمر واحد ان منظومة المعايير والقيم الأخلاقية التي يحملها لبنان قد سقطت، لهذا نفهم التجرؤ من هذا البعض

بالتدخل في خيارات فيروز التي كانت دائما فوق الالتباسات السياسية مهما احتدمت ولم تكن يوما ما طرفاً أو فريقاً، فلقد كانت فيروز دائما فوق الاحتمالات وكانت مع الوطن الفكرة المنزهة عن الغايات والغرضيات.

فيروز الذاهبة إلى دمشق، ذاهبة إلى الوطن الذي أنشدته في الماضي الجميل بصوتها الشامخ « شام يا ذا السيف» و«سوا ربينا» و« ثلج حرمون غدانا معا شامخا كالعز في القبب»، ولا غرو ان الشام بأسرها تصحو كل صباح على شذى صوتها الباهر، وياسمينها لا يزهر ولا يطلق أريجه الفاتن ان لم يسمع شدو صوتها البديع.

ينبغي ان تذهب فيروز إلى الشام لتغني في أرجائها الشامخة، ففيروز لا تغني للأنظمة ولا للحكام، فيروز تنشد للوطن الحزين ولعصافير الحرية لكي تغرد في فضاء الأمل والرجاء، وحنجرتها وطن الأطفال الموعودين بالشمس المشرقة فوق الجباه السمر، فيروز فوق السياسة وفوق الخلافات السياسية العمياء، فيروز للوطن بأسره، لا يستطيع ان يقيدها هذا الطرف أو ذاك.

إذا كانت فيروز تود ان تغني وفق أهواء بعض السياسيين فهي الكارثة بعينها، لأن الذي يطالبها اليوم بعدم الذهاب إلى دمشق كان بالأمس القريب جدا يفاخر مغترا بأنه احد تلامذة حكامها النجباء. فأين العدالة بذلك؟ وأين الحكمة الصائبة في كل هذه الدعوة الباهتة؟

لن نقول لهم دعوا فيروز وشأنها لأنهم لن يرتدعوا، ولكن نقول لفيروز ان تواصل مسيرتها إلى الشام المتعطشة للقاء معها بعد غياب استمر حوالي ربع قرن، يوم كانت فيروز تحيي مهرجان دمشق الدولي كل عام. بين فيروز ودمشق قصة حب لا يعرف كلماتها المكتوبة بماء القلب أولئك الطارئين على السياسة، بل يعرفها أولئك الذين حفظوا كلماتها وامنوا بها.

مصادر
الخليج (الإمارات العربية المتحدة)