تنظر كل من القاهرة ودمشق إلى القمة العربية المتوقعة نهاية شهر آذار في العاصمة السورية من وجهة نظر معاكسة، فالطرفان يريان ضرورة انعقادها ويجزمان بحصولها في الموعد المحدّد. لكن أية قمة عربية وبمن؟ تبدو هذه هي المشكلة. وبعد موقفَي الرئيس حسني مبارك ووزير الخارجية أحمد أبوالغيط اللذين ربطا انعقاد قمة دمشق بالحل اللبناني، تُدرج مصادر الخارجية المصرية دوافع هذا الموقف في سياق معطيات، منها: 1 ــــــ أن انعقاد القمة دوري كل سنة بغية جعلها مؤسسة دائمة مستمرة وقائمة في ذاتها، لا تحتّمها الظروف الاستثنائية. والانعقاد إجراء أوتوماتيكي عملاً بقرار اتخذته قمة عمان في 28 آذار 2001، وكان أول تطبيق له قمة بيروت في 28 آذار 2002. وهكذا توالت القمم ضمن صيغة المداورة، فكانت قمم شرم الشيخ (2003)، وتونس (2004)، والجزائر (2005)، والخرطوم (2006)، والرياض (2007). 2 ــــــ أن المعادلة ليست التئام القمة في ذاته، بل نجاحها أو فشلها، وهما مسؤولية الرئيس المضيف الذي لا يقتضي أن يعمل على ضمان انعقاد القمة على أراضي بلده فحسب، بل أيضاً تأمين أوسع مشاركة على مستوى الملوك والرؤساء والأمراء، والخروج بقرارات جدية. وفي ظل خلاف حاد سعودي ـــــ سوري، يبدو احتمال مشاركة ملك السعودية عبد الله شبه معدومة، من شأن ذلك أن يحمل دولاً عربية أخرى على اتخاذ موقف مماثل كمصر والأردن والبحرين والإمارات والكويت إذا استمرت القطيعة بين المملكة ودمشق، أو في أبسط الأحوال ظلت الأزمة اللبنانية تتخبّط بلا حل. وهو مغزى كلام مبارك بتنبيهه أكثر منه تهديده، تقول الدبلوماسية المصرية، إلى خطورة انعقاد قمة ضعيفة، أو نصف قمة، أو ربما قمة تكرّس الانقسام العربي. وما يبدو مؤكداً حتى اللحظة أن العاهل السعودي لن يحضر قمة دمشق. 3 ـــــ إلى الأسباب الشكلية المعنية بها سوريا كدولة مضيفة للقمة المقبلة، فإن هذه تمثل أهمية خاصة وضرورية هي الغطاء العربي الذي يعوز الرئيس بشار الأسد بصفته رئيساً لها، وكرئيس عربي يطلق من منبرها مواقف يحتاج إلى تأكيدها وسعيه إلى استقرار المنطقة والعراق، والتسوية السلمية واستعادة أراضيه المحتلة، ومكافحة الإرهاب والتطرّف، وتأكيد عدم تدّخله في لبنان، وأنه ـــــ خصوصاً ـــــ جزء من الشرعية الدولية. بل أكثر ما بات يعوز الأسد، بادئ ذي بدء، وخلافاً لما هو قائم اليوم، الظهور مظهر الرئيس الذي نجح في فك العزل العربي له. 4 ــــ تتبّنى القاهرة وجهة النظر السعودية، بل تجدها مبرّرة ومنطقية وحتمية، القائلة بأن يسبق حل الأزمة اللبنانية تطبيع العلاقات السعودية ـــــ السورية، فيصار عندئذ إلى عقد قمة ناجحة يُسحب من جدول أعمالها بند متفجر هو وجود بلد عربي لا رئيس جمهورية له وغارق في محنة سياسية ودستورية خطيرة مهدّدة بالانفجار. 5 ــــــ أن إطلاق الحل اللبناني من خلال المبادرة العربية لا يفضي إلى قمة ناجحة في دمشق فحسب، بل كذلك إلى تجنيب لبنان تدويل مشكلته الحالية. وبحسب المعلومات المتوافرة لدى مصادر الخارجية المصرية، فإن التدويل لن يقتصر على انتخابات الرئاسة اللبنانية، بل يشمل الملف اللبناني برمته. وتالياً تكرار تجربة القرار 1559 الذي مثّل عام 2004 أولى طلائع تدويل المشكلة اللبنانية، بصدور آخر مكمّل له. وإذا كان الأول قد نجح في إخراج الجيش السوري من لبنان وتحقيق سيادته ، وأرسى غالبية سياسية تمسك بالقرار الوطني اللبناني هي قوى 14 آذار، فإن القرار الآخر المكمّل قد يستهدف سوريا بالذات بفرض عقوبات دولية عليها، وقطع أي صلة اتصال لها بلبنان، الأمر الذي يخلّف نتائج خطيرة على لبنان، كما على الوضع العربي برمته. وهذا ما تحاول القاهرة تفاديه، والتنبيه من خطر الاستدراج إليه عبر عرقلة وضع الحل العربي للبنان موضع التطبيق الفوري بلا شروط. على النقيض يقيم الموقف السوري. في واقع الأمر ما تلتقي عليه القاهرة ودمشق، تفترقان عنده أيضاً: 1 ـــــ ترى دمشق أن القمة ستنعقد في مكانها، وموعدها، وبمن حضر إذا اقتضى الأمر. تبعاً لذلك لا تنظر بجدية إلى التهديد بإلغاء قمتها لأن القمة تلغيها القمة، لا رئيسها الحالي ولا الجامعة العربية. كذلك انتقالها إلى مكان آخر. وفي أي حال ترفض دمشق أي بحث في انتقال القمة من أراضيها إلى شرم الشيخ، كما يتردد، لأسباب تتصل بما بات يرمز إليه هذا المكان بالذات، ولا إلى أي مكان آخر. قمة دمشق في سوريا، لا في مكان آخر، وفق ما يقول السفير في القاهرة يوسف أحمد الذي يؤكد أيضاً أن حكومته في صدد الإعداد للدعوات التي ستوجّه إلى الزعماء العرب. 2 ــــــ تفصل سوريا بين القمة، إذ تعتبرها شأناً عربياً يُسأل عنه القادة العرب، لأنها مسؤوليتهم، وشأن آخر يتصل بالعلاقات الثنائية أو خلافات عربية ـــــ عربية، تجد في القمة مكاناً مناسباً لمناقشتها وإيجاد الحلول لها، لا جعلها مبرّراً يؤول إلى تعطيل القمة وإلى مزيد من التشنج في الخلافات العربية ـــــ العربية. 3 ـــــــ تستعين دمشق بسابقة قمة تونس عام 2004 لتأكيد حقها في رئاسة قمتها المقبلة، وقد أضحت السابقة عرفاً. عندما انعقدت قمة تونس في 22 أيار 2004، بعد تأجيل شهرين عن موعدها، لم يجر تسليم وتسلّم بين رئيسها الجديد الرئيس التونسي زين العابدين بن علي ورئيسها السابق ملك البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة الذي غاب، فكان أن صعد بن علي إلى المنصة وأعلن نفسه رئيساً للقمة من غير تسليم وتسلم، رافضاً تسلّماً ممن هو دون مرتبة ملك أو رئيس، وهو أمر من شأنه أن يعكس موقف دمشق مما تتوقعه من غياب محتمل للملك عبد الله عن قمتها، بأن يتسلّمها الأسد مباشرة طبقاً لسابقة 2004. بل تلاحظ مصادر دبلوماسية عربية في القاهرة أن عبد الله، مذ أضحى ملكاً، لم يحضر إلا قمة بلاده، وهي قمة الرياض في 21 آذار 2007 التي أطلق منها مبادرته للسلام، بينما غاب عن قمتي الجزائر والخرطوم. أما مشاركته في القمم الأخرى منذ عمان عام 2001، مروراً ببيروت وشرم الشيخ وتونس، فكان خلالها لا يزال ولياً للعهد.