في كل لحظة نصل فيها إلى الطريق المسدود نحاول تطويع التحليلات السياسية كيف نفكر على الأقل بمخرج نظري، فإذا كانت غزة تغرق في الظلام فلأن العتمة سحقتنا قبل ذلك بدء من عام 1948 وحتى اليوم، ونقاط الاختناق التي نمر بها "دوريا" ربما لا تحتاج لحلول نظرية لأن المسألة هي "الاحتلال".

كل نقاط الاختناق تتلخص بالاحتلال بدء من اغتصاب عقلنا وانتهاء بانتهاك بغداد، فصورة غزة وشم على مساحة الإنسان في منطقتنا قبل أن تكون تاريخا لفشل النظام العربي، وغزة أيضا تعبر عن نوعية الفشل الذي نحاول إلصاقة بكل الوجوه التي تقود السياسة، لأننا على ما يبدو عاجزون قبل كل شيء على "سوس" أنفسنا ومعرفة لون وجوهنا أو حتى نوع الهواء الذي تنتفسه.

في غزة تظهر صور الأمراء والرؤوساء والنخب الثقافية والأدب العقيم، وفيها نشتم رائحة الإيديلوجيات المصممة على البقاء رغم شيخوختها، وعلى إيقاع الأرواح المغادرة منها نشاهد مسارحنا ومقاهينا وعواصمنا التي تعج بالعنتريات وبالقدرة على نسج الكلام، أو تدبيج الكتب وكأننا نعيش في عالم لا يخص إلى مجموعة تتسلى بـ"الإعلانات" وتتحدث عن "القيم" التي تم اغتيالها من غوانتانمو إلى أبو غريب وصولا إلى سجن عسقلان.

حتى اللحظة تبقى غزة "مرآة" حياتنا الثقافية والسياسية، مثلما كانت بغداد وبيروت وغيرها، ونحن ننتظر أن تزداد الصور لمدن مشلوعة على مساحة "شرقنا" الذي تغرب ورغم ذلك ظل مصرا على استخدام القوافي والعبث بموازين شعر الفراهيدي.

هل نستطيع البحث عن قمر جديد أو شمس أو أرض غير التي نعيش بها؟ هذا السؤال الذي يحوم حول "حدثنا" اليومي في غزة، ويطير فوق ألوان الاغتصاب التي نعيشها فنرفض أن نسأل عن أنفسنا ونستبدل "اختناقنا" بوهم جديد أو بسلام "لازوردي" أو حتى بقيم نريد استهلاكها فقط.

وإلى أن نعرف بأننا في مساحة صراع دائم يتحرك من قوتنا اليومي باتجاه عقلنا وصولا إلى غزة، فإننا سنبقى حالمون بحرية على مقاسنا وبعلمانية لإبعاد الآخر أو بإيمان يتيح لنا "التكفير" والفرح بأن مثاوانا الجنة أما الآخرين فهم في الجحيم!!!

غزة لا تملك "خيارات"... ونحن لا نملك التمدد أو معانقة الأحلام المستوردة، لأننا في النهاية مجبرون على "خلق" الخيار وسط عتمة لم تعد ملكا لغزة فقط.