فيما لا يزال جورج بوش ونيقولا ساركوزي يستريحان من رحلتيهما الطويلتين في أنحاء الشرق الأوسط، استطاعت الدبلوماسية الألمانية أن تبرهن على انه لا حاجة الى الإبعاد لإحداث دراما سياسية حقيقية. كانت كافية دعوة وزير الخارجية السوري وليد المعلم (الأسبوع الماضي) الى محادثات رسمية في برلين بعد بضعة أيام من إعلان باريس نيتها تجميد اتصالاتها بالنظام السوري، بسبب تدخله العميق في الأزمة السياسية في لبنان. المعلم تلقى دعوة من نظيره الألماني فرانك - فولتير شتاين ماير، في الساعة التي تعلو فيها الأصوات- في صفوف الإدارة الألمانية نفسها ـ التي تدعو الى زيادة الضغط الدولي على سوريا وتشديد العلاقة معها. في برلين، وفي عدد من العواصم الأوروبية الأخرى، توجد جهات تثير طلب فرض عقوبات سياسية على سورية. المفوضية الأوروبية أيضا بدأت تصد أصوات انتقادية لدمشق في سياق المس بحقوق الإنسان. ليست هذه أول مرة يمد شتاين ماير، الذي يمد منذ عدة أشهر أيضا نيابة المستشارة ميركل يده الى دمشق في الضيق. وكان هو أيضا حث الأميركيين بعناد على دعوة سوريا الى مؤتمر انابوليس. إن شتاين ماير هو ارفع ممثل للحزب الاشتراكي- الديموقراطي في حكومة الوحدة الألمانية التي تقودها ميركل المحافظة. فهل هو يصرف سياسة خارجية. تخصه، أم يمثل إجماعا في صفوف الحكومة في برلين؟ في ألمانيا، وأوروبا بشكل عام، يمكن أن نلحظ انقساما سياسيا واضحا جدا بالنسبة للموضوع السوري: فاليسار يؤيد استمرار حوار مع النظام السوري، أما اليمين فأصبح قد ضاق ذرعا بدمشق. يبينون حول شتاين ماير أن عزل دمشق لن يأتي بأي جدوى. بل العكس: إن إجراء كهذا سيدفع سورية الى تعزيز حلفها مع إيران ويشجع السوريون على العمل من اجل تشجيع عدم الاستقرار في مناطق التوتر المجاورة لحدودها في العراق، ولبنان، ومناطق السلطة الفلسطينية. في مقابل ذلك قد يمكن الحوار النقدي من إخراج سورية من الزاوية وربطها ربطا بناءا للمساعدة في إجراءات مصالحة في المنطقة، لاسيما المسيرة السلمية مع إسرائيل. ليس معلوما بعد ما الذي قيل في الغرف المغلقة وفي خلوة الوزيرين بعضهما الى بعض. اكتفى المعلم بعد اللقاء بإسماع تصريحات عامة غير ملزمة عن رغبة سورية في السلام. وجاء أهم قول في ذلك المقام من الوزير الألماني الذي أعلن بأنه يتوقع من سورية أيضا «مصالحات مؤلمة» في إطار التفاوض مع إسرائيل عندما يبدأ. بل انه المح الى انه إذا سلكت سورية سلوكا حسنا فسيكون في ذلك فائدة لها. فالأوروبيون مثلا سيمنحونها مثلا الأفضلية في التعاون الاقتصادي وغيره تُحرمها اليوم دمشق. يهاجم مقربو ميركل الآن دعوة المعلم. يمكن أن نستنتج أن الإجراء لم ينسق كاملا مع المستشارة، «إذ لا يمكن الاستمرار في بسط السجاد الأحمر أمام السوريين، وغمرهم بمعاملة خاصة وعدم الحصول على تعويض ما» يقول منتقدو شتاين ماير، هل يمكن إغراء السوريين بالتربيت على الأكتاف وبالوعود؟ نذكركم بأن الأوروبيين كانوا قد أجرو حوارا نقديا في بدء العقد مع إيران، بقصد صرفها عن الاستمرار في تطوير برنامجها الذري. لا يعترف أحد في أوروبا بذلك، لكن ذلك الحوار انتهى الى فشل ذريع: فطهران جذبت الأوروبيين بأنوفهم من لقاء الى لقاء، وربحت وقتا وطورت برنامجها الذري بغير عائق سياسي أو أخلاقي أو غيره. فسد الجزر الذي اقترحه الاتحاد الأوروبي على طهران موجود اليوم في الثلاجة. السياسة الخارجية الأوروبية تستطيع فقط التذمر إذا قامت على استخلاص العبر لا على تكرار أخطاء الماضي. لم تبرهن سورية على أي مرونة ولهذا لا يوجد أي سبب لاستمرار منحها هدايا بالمجان.

مصادر
القبس (الكويت)