"إن كان طاغية تودّون خلعه عن عرشه، فانظروا أوَّلاً إن كان عرشه القائم في أعماقكم قد تهدَّم" جبران

لطالما تذمّرت شعوب المنطقة من طغيان حاكيميها، ولعل المَشاهد التي نقلتها الفضائيات غداة انهيار تمثال "الحاكم" يوم سقوط بغداد، وما تبعه من تفاعلات تراوحت بين مؤيدةٍ وشاجبة، يعكس الصورة الرمزية المتمثلة في الخلفيات الذهنية لشعوبٍ انغرست في كينونتها صورة الرمز "الزعيم"، فمن فَرحَ بذلك فإنما فرح بتحطيم رمز السلطة والقمع والطغيان المتمثل في مخيلته، ومن شَجب وانزعج فإنما حزن لانهيار الرمز الذي يراه رمزًا لهيبة لأمة متخيّلة ايضًا..

الصورة وان تناقضت في كلتا الحالتين واختلفت في المشهدين، ألا أنها في حقيقتها وجوهرها تدور حول محوريّة رمزية واحدة، وهي تكريس "الزعيم الرمز"؛ فحتى من أراد هدم الصورة التي كانت موجودة، فإنه هدف الى تكريس أخرى متمثلة في "زعيم" آخر، وهكذا في دوامة من الصراعات، التي تعكس أنّ "الطاغية " قائم في النفوس ومتربّع في اللاوعي الاجتماعي عند الشعوب.

والمتابع للسياق الفكري والحدث الثقافي للأوضاع الدائرة في المنطقة يجد أن المجتمعات الحالية هي مجتمعات "مذهبية" وأن انظمة السلطة تتجه الى مزيد من الانغلاق و"الطائفية ".

واقصد ب"المذهب " اي تيار ثقافي مهما كان مسماه او شعاره أو القناع الذي يقف خلفه، والذي يؤسس لمنهج فكري، ويستند الى مرجعيّات بعينها ويدور في فلك " الرمز" أو "الأب الروحي".... واقصد بالنظام "الطائفي" هي آلية الحكم العمليّة المرتبطة ب"الشخص" والصورة التطبيقية للفكر المذهبي، التي تجعل الشعب يدور في فلك "الرمز"، مختصرةً هموم البشر في نفسه وكرسيه، كما تهدف إلى جرهم وقولبتهم وتطويعهم وجعلهم نماذج من مادة واحدة، وذلك من خلال تحويل الافكار والمعتقدات والمقدسات والعمق التاريخي والبعد الجغرافي إلى علب فكرية جاهزة وأجوبة ميّتة وحاضرة، تتحوّل الاحداث في ظلّها الى أمرٍ واقعٍ مألوف.

إن المذهبية هذه تجد حياتها في الرموز، وتعبّر عنها ب "الأسماء" و"الشعارات"، التي ان عكست أمرًا فإنها تعكس عبودية كائنات يسجدون على ركبهم يتملقون "الرمز"، لأن ما يسميّه الناس مذاهب وتيَّارات ليس إلا سلالسل تقيد الحرّ وان كانت هذه السلاسل تبرق فتخطف ابصار الناظرين.

إن ثقافة المذهبية هذه، هي ثقافة ربط محكم، واتصالٍ ينبني على مستوى التكوين المعرفي الابستيمولوجي عند الافراد، ويطال الابعاد الاجتماعية والسياسية كافّة، التي تجد في الربط التاريخي المبرم لحظة بناء حاسمة في هوية الكائن المذهبي؛ ذلك إن هكذا ثقافة هي ثقافة ذاكرة وتقليد، تحفظ المفاهيم وتكرس الايديولوجيات، وتستقر في موقع بعينه وتقف في لحظة زمنية معينّة، لذلك فإنها تتحول الى كيانات عنصرية، ترى في أي كائن آخر مختلف عنها كيان معادي، فيتحول الكوكب الارضي في نظرها الى ذوات ثقافية متنافرة، وكيانات عنصرية متناحرة، ويصبح الدور الأول للانسان فيه "عدائي محارب"...

ربما يتسائل المرء: أليس كل من يطالب بالتحرر من الطائفية والمذهبية لا بد وانه يكرس مذهبية أخرى؟؟ أليس البشر والشعوب هم امتداد لماضيهم وتراثهم الحضاري؟ أليست الأمم هي قيّم وأخلاق وموروثات دينية؟؟

بداية يجب ان نقرّ،أن الانفلات والتحرر من المذهبية الفكرية أمر في منتهى الصعوبة لأنها مأصلة في الأذهان ومتعينة في الأعيان ومتبلورة في المؤسسات ومقررة في السلطات، لذلك فإن التحرر منها يتطلب عمقًا فكريًّا وتجرّد علميًّا وثورة روحيًّة...

الأمر الآخر أن الإشكالية الفكرية تكمن حقيقة في مفهوم الوحدة والتعدد ، فعملية التحرر من " مذهب" يجب ان لا توقعنا أسر "مذهب" خر، فالتعددية الثقافية لا تعني بالنسبة للمفكر الحرّ غزارة المذاهب وكثرة التيارات بل انها إقحام التنوع والتعدد ضمن الثقافة الواحدة نفسها.

فالتعددية الثقافية ليست دعوة الى اضافة تيار فكري جديد يلغي المذاهب والتيارات الاخرى ليثبت نفسه، بل هو مفهوم يجعل التعدد قائم ضمن الوحدة ذاتها، ووفق هذا التصّور فإن الثقافة تستجيب لكل لحظة من لحظات الواقع ولا تقف عند نقطة زمنية واحدة، انها ثقافة اللحظة أو الآنة وليست ثقافة الذاكرة، انها ثقافة الاستجابة للمتغيرات بتجدد مستمر دون الوقوف في بعد واحد، انها ثقافة الانفصال او ثقافة "الفردانية" كما أحب ان أسميها، انها الحرية الفكرية العارية عن أسر المواقف.

فلا عجب من يحمل هكذا فكر أن يكون كائنا حرّا كونيا مبدعًا، اسئلته الفكرية مستمرة لم تتحول لأجوبة جاهزة في يوم من الأيام، لا يؤمن بثوابت جاهزة بعينها.. لا ينضوي تحت مظلة موحدة ولا ينتمي لواقع واحد... أليس من الغباء بعد كل ذلك، أن أُسأل دومًا عن انتمائي وديانتي؟؟؟ فيقولون من أنتِ؟؟ نعم، الأحرار أيتامًا لا عائلة فكرية لهم! ولا يسعون لتأسيس مذهب او تيار!

مصادر
ايلاف