توفي مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والزعيم الفلسطيني التاريخي الدكتور جورج حبش يوم السبت في عمان حيث كان يقيم منذ سنوات عدة.

وكان حبش (83 عاماً) يعاني من المرض ومشاكل في القلب منذ سنوات عدة وأدخل قبل عشرة ايام إلى المشفى.

ولد الراحل في اللد عام 1926 لعائلة مسيحية ميسورة من طائفة الروم الأرثوذكس قبل ان يضطر مثل مئات الالاف من مواطنيه الفلسطينيين الى النزوح من بلدته خلال حرب 1948 مع "قيام دولة اسرائيل".

في ربيع العام 1948 عاد الى اللد في خضم المعارك بين العرب واليهود وتطوع كطبيب لاسعاف الجرحى قبل ان يضطر مثل مئات الالاف من مواطنيه الفلسطينيين الى النزوح خلال حرب 1948 مع قيام دولة اسرائيل. عاش نكبة عام 1948 عن كثب ونزح مع الالاف من ابناء اللد والرملة في تموز/يوليو تلاحقهم قوات منظمة الهاغانا الصهيونية التي عملت على افراغ هذه المنطقة من سكانها العرب.

وروى حبش لاحقا كيف ان مشهد النساء والاطفال وهم يتوجهون مشيا على الاقدام تحت الشمس الحارقة الى رام الله وبعضهم مات فعلا على الطريق دفعه الى تكريس حياته للدفاع عن القضية الفلسطينية.

في نهاية الاربعينات التحق بكلية الطب في الجامعة الأميركية في بيروت وتخرج فيها عام 1951 متخصصا في طب الأطفال، فعمل في العاصمة الاردنية والمخيمات الفلسطينية، ومارس الطب في الاردن حتى عام 1957، ثم انتقل من عمان إلى دمشق، التي انتقل منها إلى بيروت.

وعمل، وهو القومي المتصلب، على تأسيس حركة القوميين العرب في الخمسينيات والتي كان لها دور في نشوء حركات اخرى في الوطن العربي، قبل ان يؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في كانون الأول عام 1967 والتي كانت تتخذ من دمشق مقرا لها والتي اعيد انتخابه باستمرار امينا عاما لها.

وجاء تأسيسه للجبهة إثر نكسة حزيران 67 التي شكلت صدمة كبيرة للفلسطينيين، بعد ان احتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة اي ما تبقى من فلسطين التاريخية اضافة الى الجولان وسيناء.

اطلق حبش "المقاومة الشعبية المسلحة" معتبرا ان السلاح وحده قادر على استرداد الاراضي الفلسطينية. اقام علاقات وثيقة جدا مع الاتحاد السوفياتي الذي قدم له الاف المنح الدراسية استفاد منها عدد كبير من كادرات الجبهة.

صعد نجم "الحكيم"، وهو لقب حبش، على الساحة السياسية وأصبحت جبهته منذ تأسيسها احد ابرز فصائل المقاومة الفلسطينية وتبنت الفكر الماركسي-اللينيني المتصلب.

شارك حبش في المعارك العنيفة ضد النظام الاردني عام 1970 التي عرفت ب"ايلول الاسود" والتي ادت الى خروج المقاومة الفلسطينية من الاردن، فاعتبر حبش في فترة من الفترات النظام الأردني عدوه الاول ودعا الى اسقاطه.

كان "الحكيم" وراء سياسة خطف الطائرات حين خطفت الجبهة في عام 1970 خمس طائرات مدنية غربية انزلتها في "مطار الثورة" في الاردن قبل تفجيرها من دون ركابها لتسليط الضوء على القضية الفلسطينية.

اضافة الى خطف الطائرات نفذت الجبهة الشعبية عمليات مختلفة مثل ضرب طائرات تابعة لشركة العال الاسرائيلية او مهاجمة سفارات اسرائيلية في العالم.

واقامت الجبهة الشعبية اتصالات وثيقة بحركات ثورية عالمية مثل بدر ماينهوف في المانيا والجيش الاحمر في اليابان.

من الاردن خرج الى لبنان حيث اقام الفلسطينيون "فتح لاند" في جنوب لبنان حتى اطاح الاجتياح الاسرائيلي عام 1982 الذي شمل نصف لبنان بالمقاومة المسلحة الفلسطينية في هذا البلد واجبر حبش على اللجوء الى دمشق في حين فضل عرفات المنفى في تونس.

ترك حبش الذي عاش طويلا في منفاه في دمشق العمل السياسي ولم تعد له نشاطات معروفة منذ سنوات طويلة، كما تخلى عن كل مناصبه القيادية في الجبهة الشعبية وبينها منصب الامين العام للجبهة عام 2000 لكنه ظل متصلبا في مواقفه رافضا لاي تنازل لاسرائيل ليجد نفسه مهمشا شيئا فشيئا.

كان الراحل معارضا لعملية السلام مع إسرائيل التي انخرط فيها ياسر عرفات واعتبر ان الدولة الفلسطينية التي سيعلن عنها لا يمكنها الا ان تكون "كاريكاتيرا" لان السلطة الفلسطينية قبلت بالعمل على تقديم التنازلات تلو التنازلات حسب رأيه.

رفض مسيرة اوسلو السلمية مع اسرائيل عام 1993 ورفض الانتقال الى الاراضي الفلسطينية بعد انتقال رفيقه في النضال ياسر عرفات الى رام الله وغزة وفضل البقاء في المنفى حتى وفاته في العاصمة الاردنية دون ان يرى اللد مسقط رأسه، لكنه كان يضع على حائط مكتبه في دمشق لوحة فيها حفنة من تراب بلدته.

أُصيب حبش مؤخراً بسرطان البروستات وقبل 15 عاماً أصيب بجلطة دماغية ادت إلى إصابته بشبب نصفي.

اختار حبش وهو أب لبنتين الاردن مقرا له في الفترة الأخيرة، وهو البلد الذي تنتمي اليه زوجته.

في عام 1961 تزوج ابنة عمه هيلدا حبش من القدس، وله ابنتان ميساء وهي طبيبة متزوجة ولها ثلاثة أولاد، ولمى وهي مهندسة كيماوية.

بوفاة الدكتور جورج حبش يغيب قائد تاريخي ثان للثورة الفلسطينية بعد ياسر عرفات عام 2004، عرف كيف يمزج بين نشأته المسيحية وماركسيته التقدمية وثقافته الاسلامية، فقد كان حبش يعرف عن نفسه بالقول "أنا ماركسي، يساري الثقافة، والتراث الإسلامي جزء أصيل من بنيتي الفكرية والنفسية، معني بالإسلام بقدر أية حركة سياسية إسلامية كما أن القومية العربية مكون أصيل من مكوناتي" مؤكدا "إنني في حال انسجام مع قوميتي العربية ومسيحيتي وثقافتي الإسلامية وماركسيتي التقدمية".

ووصف الدكتور ماهر الطاهر مسؤول الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في الخارج الدكتور جورج حبش بأنه "رجل كان من اغلى الرجال وأصلب الرجال وأصدق الرجال، قبض على مبادئه كالقابض على الجمر".

وروى الطاهر (لسورية الغد) ما دار من حوار بينه وبين الدكتور جورج حبش قبل وفاته بيوم واحد حيث زاره الطاهر لعدة أيام في مشفاه في عمان حيث كان يعالج.

وقال الطاهر إن الدكتور حبش كان يتابع تفاصيل وتطورات الأوضاع على الساحة الفلسطينية لحظة بلحظة حتى آخر دقيقة من حياته، وأضاف الطاهر: سألني الدكتور حبش هل فتحت المعابر ؟؟ ما هي أخبار الوحدة الوطينة الفلسطينية ؟؟ كما قال لي بالحرف الواحد: أوصيكم بالتمسك بالمبادئ والبقاء أوفياء للأهداف التي ناضلنا من أجلها وهي تحرير فلسطين كل فلسطين والوحدة العربية والتمسك بالمبادئ والوحدة الوطنية.

ورداً على سؤال قال الطاهر (لسورية الغد): رحيل هذا القائد والرمز الكبير لن يؤثر على الخط السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وسيبقى كما كان عندما كان الدكتور حبش على رأس الجبهة، ونحن سنبقى متمسكين بالمبادئ وسنواصل الكفاح لتحرير الوطن كل الوطن وسنبقى مؤمنين بالوحدة الوطنية ونعمل على تحقيق الأهداف التي ضحى وقضى في سبيلها.

ونعى الرئيس الفلسطيني محمود عباس الفقيد وقالت وكالة الانباء الفلسطينية ان عباس اعلن الحداد ثلاثة ايام.

وقالت الوكالة "أمر السيد الرئيس بتنكيس الاعلام لمدة ثلاثة أيام في جميع المؤسسات الفلسطينية حدادا على رحيل هذا القائد الكبير."

وأضافت ان "الرئيس سيتقبل التعازي في استشهاد حبش غدا في مقر الرئاسة بمدينة رام الله, ما بين الساعة السادسة مساء وحتى الثامنة مساء".

وقالت الوكالة ان "الرئيس امر بتنكيس الاعلام لمدة يوم واحد في جميع المؤسسات الفلسطينية، حدادا على رحيل هذا القائد الكبير، واعلن الحداد لمدة ثلاثة ايام" في الاراضي الفلسطينية.

من جانبه قال نبيل ابو ردينه "ان الرئيس عباس يعتبر وفاة جورج حبش خسارة للشعب الفلسطيني خاصة في هذه الظروف التي يمر بها شعبنا .. وخسارة للقضية الفلسطينية التي ناضل حبش من اجلها اكثر من ستين عاما

مصادر
سورية الغد (دمشق)