يعود أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى إلى بيروت متأبطاً ملف لبنان الذي «أُثقل» بإضافة ورقة تجديد التفويض المعطى له لتفكيك عُقد المبادرة العربية مع القيادات اللبنانية، واجتراح الحلّ السحري الذي يقنع هذه القيادات بتسوية «تفسيرية» لتلك المبادرة التي صيغت بعناية لكي «تحتضن» كل التأويلات التي لا يستطيع العرب قولها صراحة لبعضهم. في وسع موسى أن يشعر الآن بشيء من ردّ الاعتبار لمهمته التي سقطت فور عرض تفسيره للبند الثاني من المبادرة العربية، المتعلق بحجم تمثيل الموالاة والمعارضة في الحكومة، لكنه لن يكون في جولة اتصالاته الجديدة قادراً على تفعيلها من دون توفّر ثلاثة شروط: 1. تراجع موسى عن تفسيره للبند الثاني الذي رفضته المعارضة. 2. تخلي المعارضة عن مطلب المثالثة في التمثيل داخل الحكومة بينها وبين الموالاة ورئيس الجمهورية وفق صيغة 10+10+.10 3. قبول الموالاة بـ«مبدأ» الشراكة، بمعزل عن الصيغ والأحجام. لا يساهم تحقق هذه الشروط فقط بتسهيل تحرك موسى في السياق السابق، بل إنه يفتح «هِلالَين» على صيغ أخرى قد تكون قابلة للنقاش من خارج الجدل الجامد بلغة الأرقام. أما من دون تحققها، فإن أمين عام الجامعة العربية سيهيم مجدداً على غير هدىً في لبنان، وسينتهي به الأمر إلى المغادرة تكراراً، وهو ينتظر أن «يدرس اللبنانيون المقترحات للردّ عليها»، وسيتأخر الجواب حتى يمكن استيعاب الردّ على الردّ، وبعدها تتحول الأزمة اللبنانية إلى روتين يشغل جانباً من الاهتمام العربي. صحيح أن الجامعة العربية لا تمتلك آلية الحسم لفرض الحل في لبنان، كما أنها لا تملك خيارات عملية لمقترحاتها سوى تقديم النصيحة والسعي، لكن الصحيح أيضاً أن فرص نجاح المبادرة العربية شبه معدومة إذا لم تحظ بتفاهم مباشر بين المملكة العربية السعودية وسوريا، وبالتالي بتدخل مشترك يستطيع أن يقدم الضمانات لكل الأطراف بمعزل عن الأحجام التمثيلية وبما ينسف قاعدة البحث الحالية بصيغة الحكومة. ومع أن «تجديد» المبادرة العربية جاء في سياق رسم «حلقة فراغ» للدوران فيها، إلا انها ستنطلق هذه المرّة من ركيزتين تقدمان لها بعض الزخم الذي يستطيع أن يساهم في تجديد الاتصالات إما بحثاً عن المخارج المناسبة أو سعياً لتوسيع حلقة الفراغ بالقدر الممكن ليأخذ الدوران فيها وقتاً أطول: الأولى تتمثّل في تفاقم الأزمات الاجتماعية والمعيشية والحياتية التي بدأت تنذر بالخروج عن السيطرة. والثانية تنطلق من المخاوف الأمنية التي أطلت برأسها على وقع مجزرة الشياح، وعودة مسلسل التفجيرات. في العنوان الأول، جاء التحرك الاحتجاجي القطاعي قبل أيام مؤشراً على أن الاحتجاجات النقابية لها مشروعيتها، وأنها قابلة للتحول إلى كرة ثلج باعتبارها تطال كل الشعب اللبناني، بل وتنهش من قدرة الأطراف الأساسيين في الساحة. ولذلك فإن القوى الأساسية في الساحة اللبنانية تدرك عجزها عن الاستمرار في تحمل عبء وتبعات الواقع القائم. أما في العنوان الثاني، فإن البلاد بلغت حافة الانزلاق الأمني الذي ينذر بالخطر الكبير. وقد جاءت جريمة اغتيال الرائد وسام عـيد والمعــاون أسامة مرعب بمثابة مؤشر على أن لا قدرة على وقف هذا المسلسل من دون سقف التوافق السياسي الذي يعيد تفعيل الأجهزة الأمنية بما يكفل دوراً حاسماً لها يحمي المواطنين، بينما يأتي استهداف الأجهزة الأمنية للإيحاء بأنها عاجزة، حتى عن حماية نفسها. إلا أن ما حصل يوم الأحد الأسود في منطقة الشياح جاء ليقدم الدليل الأكيد على أن الـبلد مكشــوف أمــنياً، وأن المحاولات المستمرة لخرق اتفاق الانضباط في الفراغ ربما بدأت تؤتي ثمارها لنسف مفاعيل ذلك التفاهم القائم منذ انتهاء ولاية الرئيس إميل لحود. الثابت أنه لم يكن في نية قوى المعارضة، وتحديداً حزب الله وحركة أمل، الانقلاب على ذلك التفاهم. بل قدّم الطرفان «امتحاناً ناجحاً» في السير تحت سقف هذا التفاهم عندما التزما بتحييد العاصمة بيروت عن أجواء الاعتصامات والاحتجاجات القطاعية. من البديهي أن تتعدد الروايات والقراءات وتتوالى الاتهامات بشأن مجزرة الشياح، لكن تداعياتها تفضي إلى الحقائق التالية: ـ إحباط الاستراتيجية الجديدة للمعارضة، والتي كانت بدأت بتطبيقها منذ أسابيع من خلال احتجاجات «موضعية» في «مناطقها» بديلاً عن التحرك الشامل للشارع، وتفادياً للاحتكاكات مع قوى الموالاة على غرار ما حصل بالنسبة لتحركها الموسع في 23 كانون الثاني من العام الماضي والذي «تصدّت» له أطراف في قوى 14 آذار ونجحت في منع المعارضة من استثماره. ـ إن «تعطيل» التحركات الشعبية، مطلبية أو سياسية، يدفع الأمور إما إلى الخواء أو إلى بدائل تكون كلفتها أكبر وتداعياتها أخطر بكثير ودائرتها أوسع من أن يكون بالإمكان ضبطها. ـ حظر «سلاح الشارع» على المعارضة يعني أنه يصبح محظوراً على غيرها أيضاً، أياً كان «الهدف» المعلن له أو «المناسبة» المعبّرة له، فتتساوى تعبيرات «التأييد» و«الدعم» و«الاحتفال» مع تعبيرات «الإعتراض» و«الرفض» و«الاستنهاض». يستطيع عمرو موسى البناء على كل تلك المعطيات المستجدة لدفع كل الأطراف إلى قراءة حيثياتها، لكن السؤال سيكون ملحّاً عليه قبل أن تطأ قدماه مطار بيروت: هل ما تزال الضمانات السابقة كافية لصياغة التسوية؟ قبل أن يبدأ موسى بتوضيب ملفاته للعودة إلى بيروت كانت «بعض الصور» تتوالى على هاتفه من أصدقاء في لبنان وتبث إليه أعلى درجات التحذير من عنوان خطير: «عرقنة» لبنان...

مصادر
السفير (لبنان)