انصرف لبنان الى لملمة جروحه إثر سقوط ستة شهداء على الأقل، قضوا في المواجهات التي جرت بعد ظهر الأحد وليلاً بين محتجين رددوا انهم يشكون انقطاع التيار الكهربائي في ضاحية بيروت الجنوبية. وانصرف اهالي الشبان والفتية الذين قضوا الى تشييعهم واحداً تلو الآخر. وسط الحزن والغضب، وفي ظل حداد وطني على الضحايا أعلنه رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، ومطالبة من قيادتي «حزب الله» وحركة «أمل» للجيش بتحديد المسؤوليات عن التطور الدراماتيكي الذي شهده لبنان، وفقاً لتحقيق من القضاء ومن قيادة الجيش، الذي وعد قائده العماد ميشال سليمان بكشف ملابسات ما حصل بأقصى الجدية والسرعة، لاتخاذ الإجراءات المناسبة، اثناء لقائه رئيس المجلس النيابي نبيه بري لهذا الغرض أمس.

ومع انقشاع دخان حرائق الإطارات المشتعلة التي بدأت في ساحة تقاطع كنيسة مار مخايل – الشياح في الضاحية الجنوبية لبيروت، أول من امس من المحتجين على انقطاع الكهرباء، فإن التفاعلات السياسية ليوم الأحد الأسود، أضافت الى عناصر التأزم السياسي الذي يعيشه لبنان بفعل مأزق الفراغ الرئاسي والخلاف على تشكيل حكومة وحدة وطنية، عنصراً جديداً، خصوصاً أن الأوساط السياسية والمراقبة اتفقت على ان الاستنتاج الأساسي (بين استنتاجات من اليوم الدموي) هو ان نتائج المواجهات أتاحت توجيه سهام الاتهام الى الجيش وقيادته، وإضعاف ترشيح قائده العماد سليمان للرئاسة الأولى، من بعض قوى المعارضة، بحجة الدماء التي سالت.

وإذ ساهم هطول الأمطار الغزيرة أمس في إخماد الحرائق التي امتدت الى ما بعد منتصف الليل، كراً وفراً بين المحتجين والجيش، وساعدت على تنفيس الاحتقان نسبياً، فإن النفوس لم تهدأ على رغم المعلومات عن ان ما أشيع ليل أول من امس من أن إطلاق النار على المحتجين وأثناء أعمال الشغب جاء من منطقة عين الرمانة المسيحية، لم يكن صحيحاً، بل نفته المصادر الأمنية، وحتى بعض أوساط حركة «امل» و «حزب الله»، التي حصرت المواجهات بين المحتجين وبين الجيش اللبناني. وأفاد بعض المعلومات ان جنود الجيش اضطروا الى إطلاق النار دفاعاً عن النفس، بعدما تعرضوا للضرب بالحجارة بغزارة وحاول بعض الشبان تجريد بعض الجنود من أسلحتهم.

وفيما شيعت حركة «أمل» اثنين من شهدائها امس في الضاحية الجنوبية وأعلن رئيس مكتبها السياسي جميل حايك «اننا تدخلنا بقوة ليتحول الاضراب الى اضراب سلمي حتى لا يطاول التحرك الاحتجاجي بعض المناطق خوفاً من الفتنة»، فإن النائب في «حزب الله» عن الضاحية علي عمار قال ان «دماء اللبنانيين عامة والضاحية خصوصاً ليست جواز مرور لكرسي الرئاسة الأولى أو لأي كرسي غيره». وزاد عمار ان هناك «جريمة حصلت عن سابق تصور وتصميم، وهناك من يحاول اخذ الجيش الى مكان ليس له». وهاجم رئيس الحكومة فؤاد السنيورة «... لو عنده ذرة شرف وحس بالمسؤولية ان يترك كرسيه ويغادر»، ووصف قوى 14 آذار بأنهم قتلة وسماسرة المال العام، واعتبر السنيورة قزماً، متهماً رئيس الهيئة التنفيذية في «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع بـ «التحريض المبرمج...». من تشييع ضحايا الاضطرابات أمس. (علي سلطان)

وقال عضو المجلس السياسي في «حزب الله» الحاج محمود قماطي ان الجيش هو الجهة المعنية بتحديد مسؤولية ما جرى، معتبراً ان «إطلاق النار والقتل والجرح لا يحصل إلا في مناطقنا من قبل الأجهزة». ورداً على سؤال قال قماطي ان التحركات التي جرت عفوية وليست سياسية. وعن تأثير ما حصل على الموقف من ترشيح العماد سليمان للرئاسة، قال قماطي: «الموضوع محصور بتحديد المسؤولية الأمنية عما حصل وفي ضوء ما سيعلنه الجيش سيتخذ الموقف المناسب».

وقال مصدر قضائي لـ «الحياة» ان الجيش أوقف 23 شخصاً رهن التحقيق وأنه لا توجد معلومات مؤكدة حتى الأمس عن وجود قناصة على رغم توقيف اشخاص كانوا على سطوح بعض الأبنية. ورجح المصدر ارتفاع عدد الموقوفين من اجل التحقيق. واستبدل الجيش القوة الموجودة في منطقة مار مخايل بغيرها، وأعلنت قيادة الجيش في بيان لها ان «ما جرى هو استهداف للجيش وللمواطنين على حد سواء». ودعت القيادة «الأهالي المعترضين على الأوضاع المعيشية الى التحلي بالوعي وضبط النفس».

وعلمت «الحياة» ان الجيش شكل لجنة التحقيق في ما حصل في منطقة مار مخايل برئاسة العميد احمد قاسم مساعد مدير غرفة العمليات، خصوصاً أن كبار ضباط الجيش كانوا نزلوا الى الأرض ليل أول من امس لضبط الوضع والسيطرة عليه.

وكررت حركة «أمل» قبل استقبال الرئيس بري للعماد سليمان مطالبتها بتحقيق فوري لتحديد المسؤوليات في إطلاق النار على المواطنين وإصاباتهم المباشرة. وطالبت قيادة الجيش بالكشف السريع عمن قام بهذا العمل. ولم تخل نشرة أخبار تلفزيون «المنار» التابعة لـ «حزب الله» من الانتقادات للجيش.

وقالت مصادر قيادية في الحزب انه «سبق ان حصلت 15 حركة احتجاجية في السابق وتدخل الجيش ولم يحصل إطلاق نار». صحيح ان الجنود تعرضوا لرشق الحجارة ولدينا تساؤلات حول حصول هذا الصدام لأنه وقع مع جمهور المقاومة. وسألت: «هل هذا تكرار لما حصل ضد الحزب في العام 1993 (حين أطلقت القوى الأمنية النار على متظاهرين من حزب الله ضد اتفاق اوسلو الفلسطيني – الإسرائيلي وقتلت عدداً منهم)؟ وكان الحزب سأل في بيانه: «هل الذين سقطوا شهداء وجرحى سقطوا برصاص الجيش ومن أصدر الأمر للجنود بإطلاق النار ومن يتحمل مسؤولية ارتكاب الجريمة المروعة ولحساب من؟ أم أن هناك جهة أخرى فمن هي»؟

ودعا السنيورة الى عدم تعريض الجيش والمؤسسات الأمنية للضغوط السياسية. وقدم تعازيه بالشهداء «من شبان في ريعان الشباب». وأسف زعيم تيار «المستقبل» النائب سعد الحريري «لضحايا سقطت من اهلنا في الضاحية، لم يختاروا قدرهم ووجدوا انفسهم في موقع لا يريدونه، للشهادة في سبيل لبنان». واعتبر ان الجيش «جزء لا يتجزأ من مكونات الشعب اللبناني ولا يجوز ان يكون خاضعاً للاستنزاف».

ودعا رئيس «اللقاء النيابي الديموقراطي» وليد جنبلاط المعارضة الى العودة الى الحوار لأن الشارع أثبت انه لا يقدم الحلول.

وقال جعجع رداً على سؤال حول الانتقادات الموجهة الى الجيش: «ماذا كانوا يفترضون ان يفعل الجيش اللبناني، هل يشاهد ويتركهم يقطعون الطرق ويشعلون إطارات ويحطمون سيارات الناس ومحالهم، والآخرون يدافعون عن انفسهم وتشتعل حرب في البلد؟ الجيش اللبناني تصرف في شكل مشرف جداً وبكل مسؤولية، ولن أدخل في التفاصيل والتحقيقات ستظهر كل شيء، وربما لو لم يتصرف بهذه الطريقة لذهبت الأمور الى ما لا تحمد عقباه».

ورأى جعجع ان «سلاح حزب الله هو على المحك، وإذا لم يستعمل في الداخل أمس، إلا ان هيبته كانت موجودة وله تأثيره الداخلي بمجرد أنه موجود».

وأعرب عن خيبة أمل كبيرة من البيان الذي صدر عن وزراء الخارجية العرب، قائلاً: «كنت أتمنى أن يطرحوا الأمور كما هي لنصل الى الحل وللأسف تجنبوا كل ذلك».

الاجتماع الوزاري

وحجبت تطورات الأحد وتفاعلاته امس نتائج اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي كان أصدر قراراً ليل الأحد أكد على بنود المبادرة العربية في شأن حل أزمة الفراغ الرئاسي وقيام حكومة وحدة وطنية، وكلف الأمين العام عمرو موسى متابعة اتصالاته مع الفرقاء اللبنانيين للتوصل الى اتفاق بين أقطاب الغالبية والمعارضة لتنفيذ بنود المبادرة.

وكشفت مصادر ديبلوماسية عربية في القاهرة أجواء اجتماع مجلس الجامعة وأسباب تأخر الوزراء في حسم مشروع البيان اللبناني، أو إحداث اختراق يقوي المسعى العربي في لبنان. وقالت المصادر لـ «الحياة» إن «الأجواء كانت تشير الى أن وزير الخارجية السوري وليد المعلم كانت لديه تعليمات واضحة بالتشدد»، وأنه «ظهر للجميع أنه كان يفاوض نيابة عن المعارضة اللبنانية»، و «اهتم بإدراج أمور يصعب الاعتراض عليها في الصياغة لكنها في الواقع اللبناني تسبب مشاكل كبيرة». وأشارت إلى كلمات مثل «التوافق» و «الاتفاق»، وقالت إن هذه كلمات تعد في الوضع اللبناني الحالي عنواناً للمشكلة، لأن حلفاء سورية سيتمسكون بكلمة «التوافق» ويقولون «لا يوجد توافق»، وأوضحت المصادر أن هذا التشدد السوري مدد الوقت.

ووصفت المصادر النتائج التي توصل إليها الوزراء بأنها «تعبر عن، أو تكرس ازدواجية الدور السوري الذي يسعى الى نص يستطيع ان يتماشى معه على مستوى الحكومات، ثم يعرقله من خلال حلفائه في الداخل». وأسفت المصادر لكون توضيح المبادرة العربية في لبنان أو تفسيرها كما كان مأمولاً لم يحدث ولم يتم التوصل إلى تسمية الطرف المعطل, وأن الإنجاز الوحيد الذي يمكن أن يحسب هو إعطاء موسى مزيداً من الوقت لاستئناف مهماته، والنص على أهمية انتخاب العماد ميشال سليمان في جلسة 11 شباط (فبراير) المقبل. وأكدت المصادر ضرورة الأخذ في الاعتبار أنه حتى عملية انتخاب سليمان يمكن أن يتم إفشالها باعتبار أن المسألة طرحت مجدداً في البيان الصادر عن الاجتماع كصفقة متكاملة، بمعنى انتخاب رئيس وتشكيل حكومة بالتزامن. وأشارت المصادر إلى أن الوفد اللبناني الذي رأسه وزير الخارجية بالوكالة طارق متري ومعه محمد شطح مستشار السنيورة، حاول تحسين النص لكن تلميحات من الجانب السوري مثل أن الوفد يمثل طرفاً واحداً ولا يمثل لبنان ككل، عطلت هذه المحاولات.

ولفتت المصادر إلى واقعة ضبط مراسل «المنار» الفضائية اللبنانية في دمشق والذي كان ضمن الوفد السوري إلى الاجتماع، واستغرب الأمين العام للجامعة وجوده وسط مداولات الوزراء وأرسل أحدهم واستدعاه وسأله عن هويته ونهره، ولم يرد أحد من الوفد السوري، وكانت واقعة رآها كثير من الوفود.

إلى ذلك، قال وزير الخارجية المصري احمد أبو الغيط ان «من المهم أن يسعى اللبنانيون بمختلف توجهاتهم الى تجنب انفلات الوضع الأمني وما يمكن أن ينتج منه من محاذير الانزلاق الى مواجهات ذات طابع مذهبي أو طائفي تهدد السلم الأهلي وقد يمتد اثرها الى ابعد من ذلك»، مشدداً على «الاحترام الذي يحظى به الجيش اللبناني داخل البلاد وفي الخارج، باعتباره مؤسسة وطنية محايدة تسهر على ضبط الوضع الأمني لاسيما في هذه الظروف الصعبة».

ولقيت احداث الأحد الأسود ردود فعل دولية، فأبدى الاتحاد الأوروبي خلال اجتماع وزراء خارجيته قلقه من «تصاعد العنف» ودعا الى «ضبط النفس»، كذلك فعلت الخارجية الألمانية التي أشارت الى اغتيال الضابط في قوى الأمن وسام عيد الجمعة الماضي. وشددت الخارجية الروسية على ضرورة الحؤول دون تصعيد الوضع. واعرب وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير عن تشاؤمه الكبير ازاء الوضع في لبنان. وقال كوشنير في ختام اجتماع مع نظرائه في الاتحاد الاوروبي في بروكسل «لا يوجد تقدم. في كل مرة توضع عراقيل جديدة. الامر سلبي للغاية»، مؤكدا، «نحن الى جانب الجامعة العربية في سعيها للتوصل الى حلل».

واضاف كوشنير «ان مبادرة الجامعة العربية هي نفسها التي تقدمت بها اسبانيا وفرنسا وايطاليا» في السابق، مشككا في امكان خروج لبنان من المأزق السياسي الحالي ما دامت سورية تقوم بدور المعرقل. ودعا الى اتخاذ موقف اوروبي موحد من سورية. وشدد على ضرورة «التأكيد مجددا على اهمية اتخاذ موقف موحد» في حين «يمكنني القول ان كل واحد يتخذ بمفرده الطريق الى دمشق» عبر فتح حوار مع سوري".

مصادر
الحياة (المملكة المتحدة)