لا يمكن ان تكون الرمزية أقوى بالنسبة إلى فرنسا. فخلال زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى الإمارات العربية المتحدة في أواسط كانون الثاني (يناير)، أعلن عن قرار بإرساء قاعدة عسكرية دائمة هناك. وسوف تكون تلك أول قاعدة من هذا النوع لفرنسا في دولة لم تستوطنها في السابق، ما يجعلها الدولة الوحيدة، في ما عدا الولايات المتحدة، التي تملك وجوداً عسكرياً في الخليج.

ويصف المسؤولون الفرنسيون هذه الخطوة بأنّها جزء من جهد أكبر يقوم به ساركوزي لإبراز تأثير فرنسا في الشرق الأوسط. فخلال الأشهر الثمانية التي تولّى فيها ساركوزي الرئاسة، زار ثماني دول في المنطقة، وأعلن عن خطط لبناء المفاعلات النووية، وبيع الأسلحة، وحلّ الأزمات، وزيادة التعاون في أثناء ذلك كلّه. وقال وزير الخارجية برنار كوشنير في مقابلة صحافية: "عادت فرنسا، أجل، لقد عادت فرنسا. نحن نعتمد سياسة تمثّل توجّهاً جديداً – النشاط، والواقعية، والانخراط، وحتّى الثقة."

قد يكون توجّهاً جديداً بالطبع، بيد أنه ليس ضخماً، على الأقلّ من ناحية الرؤية العامة. فبعض الناس هنا، وفي الشرق الأوسط بدءوا يتساءلون عن الاتجاه الذي سيأخذ إليه هذا النشاط والحركة كلها الدولة الفرنسية.

طموح الإمبراطوريَّة في أيّام الإمبراطورية الفرنسية، بلغت أحلام البلاد أوج طموحها في الأراضي الناطقة بالعربية. ولكن باستثناء لبنان وشمال أفريقيا، باء بعض أكبر مشاريعها جرأةً بالفشل. فقد أنزل نابوليون نحو 40 ألف جندي في مصر في العام 1798 لكنّ الاحتلال انتهى في العام 1801.

ومن ناحية أخرى، طال بقاء فرنسا لمدة أطول في العام 1830، حين نزل الجيش الفرنسي في الجزائر، فبدأت بذلك عهداً من السيطرة على القسم الغربي لشمال أفريقيا.

وبعد الحرب العالمية الأولى، سيطرت فرنسا على سوريا ولبنان. لكن بعد الحرب العالمية الثانية حلّ الذلّ والهزيمة - أولاً في حرب قناة السويس في العام 1956 ثمّ في الحرب الطويلة للمحافظة على الجزائر. ومنذ تلك الآونة، لم تقم فرنسا بدور مهم في العالم العربي إلاّ بصورة عرضية.

فرص جديدة للمجد والآن، يشكّل التراجع الأميركي في العراق، وتدهور أداء رئاسة بوش، فضلاً عن توق المنطقة إلى بديل للقوة الأميركية، وتوجّه قادة بريطانيا الجدد نحو الداخل وأسعار النفط الباهظة عوامل خلقت فرصاً لساركوزي.

أما ساركوزي فيستغلّ هذه الفرص بأسلوب مرحلة ما بعد الإمبراطورية، فهو يرى المنطقة كفسيفساء يجب العمل عليها قطعة تلو الأخرى وليس كجائزة واحدة كبيرة تعيد إلى فرنسا مجدها الغابر في حال الفوز بها.

وبالتالي، لم يتمحور الأمر حول الذكريات ولا حتى حول الجهود الهادفة إلى وضْع العالم المسلم ضمن "قوس أزمات" كبير يمتدّ من مراكش إلى بنغلادش بسبب تهديد الإرهاب الدائم، مع أن الاستخبارات الفرنسية تقوم بهذا الأمر بالتحديد.

في الواقع، أعطى ساركوزي لمقاربته تعريفاً متبايناً مع هذا التفكير. فقد كتب في "شهادة" (وهو كتاب حملته الانتخابيّة في العام 2006): " ثمة عوالم إسلامية وعربية كثيرة، وأمال مفهوم "السياسة العربية" بحدّ ذاته فلا أساس له من الصحّة." فالهدف بحسب ساركوزي هو "ألا ننخدع بوحدة ليست سوى افتراضية".

مقاربة ساركوزي "الغريبة" وتعتبر مقاربته شخصية أيضاً، وتعكس إفراطه في الحركة وشغفه وعزمه على تعزيز عمل فرنسا حول العالم.

ومن بين الأمثلة على ذلك رفضه لقناعة تحدّث عنها سلفه جاك شيراك، مفادها أن الأولوية القصوى في الشرق الأوسط تعطى لحلّ النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. فساركوزي منشغل أكثر بإيران، معتبراً أنّ أنشطة إيران النووية هي الأزمة الأصعب في العالم.

كما ولّى الابتعاد الفرنسيّ التلقائي عن الولايات المتحدة وإسرائيل؛ فحين قال ساركوزي عن إسرائيل إنها صديقة بدا أن الإسرائيليّين يصدّقونه. وفيما تحدّث شيراك عن الحاجة إلى "عالم متعدّد الأقطاب" تكون أوروبا قطباً فيه، لطّف ساركوزي من هذا التفكير بالحديث عن مركز فرنسا ضمن "عائلتها الغربية"، وهذا كلام يطيّب خاطر واشنطن.

ولكن هل ستنجح هذه المقاربة الغريبة؟ فقد تعطّل عدد من مبادرات ساركوزي إن لم يكن الفشل من نصيبها. فالزيارة التي قام بها القائد الليبي معمر القذافي والتي انتقد فيها مضيفه علناً – وأدت إلى إقفال الجسور فوق نهر السين حين قرّر فجأة القيام برحلة على متن قارب – اعتبرتها الأكثرية مذلة. كما تمّ تجاهل رحلات كوشنير المتعددة للتوصّل إلى حلّ للأزمة السياسية في لبنان، وتمّ اعتبارها حتى من بعض المؤيّدين على أنها مضيعة للوقت.

ويقول أوليفر روي، وهو خبير في شؤون العالم العربي والإسلامي وكاتب "سياسات الفوضى في الشرق الأوسط" الذي ستطرحه مطبعة جامعة كولومبيا في الأسواق قريباً: "لا رؤية ولا استراتيجية هنا، بل فقط أسلوب جديد يعتمد على تدخل الرئيس الشخصي والكاريزما التي يتمتع بها. وقد ضخّم العامل العاطفي الإحساس بوجود تغيير في سياسة فرنسا الخارجية."

في الداخل، واجه ساركوزي الانتقاد لكسره تقليد فرنسا العلماني بالكلام كثيراً على الله – وليس في روما فحسب، بل في المملكة العربية السعودية أيضاً. كما تمّ انتقاده أيضاً لعدم جعل حقوق الإنسان موضوعاً أساسياً خلال لقاءاته الأخيرة مع القذافي.

كما قال إن هدفه لا يقوم على جعل العالم ديمقراطياً، وشدّد على أهمية التنوّع السياسي خلال مؤتمر صحافيّ عقده في أوائل كانون الثاني (يناير) قائلاً: "لماذا التنوّع أكثر من الديمقراطية؟ لأنه حين نكافح في سبيل الديمقراطية، تقول بعض الدول: هذا تصرّف ما بعد استيطاني! تريدون أن تطبّقوا علينا نظامكم!"

الأولويّة للطاقة النوويّة الفرنسيّة وإن كان هناك من خطّ سياسي بارز فهو دعم ساركوزي للطاقة النووية الفرنسية. وتحتل فرنسا المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة في بناء المفاعلات النووية، ويعتبر ساركوزي ان الدول العربية والإسلامية لها بالمبدأ الحق ذاته بامتلاك الطاقة الذرية المدنية شأنها شأن أيّ بلد آخر في العالم.

وقد تشجّع هذه السياسة إيران على متابعة تخصيب اليورانيوم – بما يتنافى مع قرارات مجلس الأمن – في سياق ما تدّعي إيران أنه برنامج طاقة نووية سلمية فحسب. وبالرغم من ذلك، وقّع ساركوزي اتفاقية تعاون مع الإمارات العربية المتحدة، في خطوة أولى لبناء مفاعل نووي بقيمة 9 مليارات دولار هناك، كما عرض التعاون في المجال النووي المدني مع المملكة العربية السعودية والجزائر ومصر وليبيا وتونس والأردن والمغرب. وفي أعقاب الانتقاد القائل إن نقل التكنولوجيا النووية أينما كان قد يستعمل في صنع برامج الصواريخ، هرع المسؤولون الفرنسيون للتوضيح أنّ هذه المفاعلات لن تُبنى قبل 15 سنة، ورجّحوا ألاّ تبنى على الإطلاق في بعض الدول.

"حصان نشيط" ينشد التوازن لقد استقطب هذا النشاط كله مع كل ما يشتمل عليه من عدم توازن، تعليقات مازحة من الخارج وإشارات من ساركوزي توضح بأنه يستطيع الردّ عليها بتواضع – أو مرح. ففي كانون الأول (ديسمبر)، اقتبست صحيفة فرنسية الملك عبد الله السعودي بقوله: "يشبه الرئيس ساركوزي حصاناً أصيلاً ساحراً ونشيطاً، ولكن على غرار الجياد الأصيلة يجب أن يخضع للترويض ليجد توازنه."

وحين حطّ ساركوزي رحاله في الرياض في أواسط كانون الثاني (يناير)، رحّب بالملك قائلاً: "الحصان النشيط سعيد بحكمة صديقه العزيز."