ليس اقتصاد السوق الاجتماعي هو المسؤول عن إنهاء الصراع بين الفقراء والأغنياء في سوريا، ولا يشكل عنواناً لذلك. بل يمكن اعتباره، بوجه من وجوهه، النتيجة الأكثر إمكانية لتسويق إنهاء هذا الصراع، بل للدقة القضاء عليه. فقبل إعلان التحوُّل إلى اقتصاد السوق الاجتماعي بسنوات قليلة، انتهت جميع المظاهر العلنية والمعهودة للصراع الذي دام بضعة عقود بين الفقراء والأغنياء، بعد أن مرَّ بعملية معقدة تبادل خلالها الطرفان الغَلبة والسيطرة السياسية والاجتماعية والثقافية؛ ما أتاح لكل من الطرفين انتهاك حقوق الآخر، وتسييد قيمه ومناقبه، والإطاحة بقيم الآخر ومناقبه. وقد مارس الطرفان بحق بعضهما كل صنوف الاضطهاد والازدراء والإلغاء، بل وصل الصراع إلى حد انتهاك كل طرف حرمة الآخر، لدرجة بلغت انتزاع ملكيات بعضهما بأكثر من أسلوب وطريقة. ليست نوبات هذا الصراع أو أحواله غريبة عن الناموس الاجتماعي البشري، حتى لو أبدى من مظاهر الخصوصية ما يوحي بتميَّزه عن غيره من الصراعات التي جرت في غير مكان وزمان. بل الغريب والشاذ عن طبائع الاجتماع البشري هو انتهاء الصراع بين هذين الطرفين، ويتمظهر وكأنه إلى غير رجعة. ويبدو وكأن تسوية ما قد عُقدت بين الطرفين أغلقت كل ميادين هذا الصراع وزواريبه، انتهى إليها الطرفان بعد أن خاب ظن كل منهما بإنهاء الآخر (وكأن ذلك كان ممكناً)، فاتفقا بدلاً من إنهاء بعضهما على إنهاء الصراع نفسه، وإلغاء كل التعابير التي تذكّر بالماضي الصراعي البائد كالطبقة والحقوق والثروة الوطنية… الخ، وأن يسحب كلا الفريقين من التداول ادعاءه بأحقية قيادة الدولة والمجتمع؛ ليلتئم شمل الجميع ضمن "وحدة وطنية" ينتفي فيها أي تناقض أو تضاد بين مكوناتها. لكن الأمر على النقيض مما يتبدى عليه. فنهاية هذا الصراع ليست على شكل تسوية، بل بانتصار صريح وجلي وساحق للأغنياء على الفقراء، تمكنوا على أثر ذلك استعادة السيادة السياسية والثقافية والقيَمية التي فقدوها طيلة العقود الخمسة المنصرمة، أي منذ اشتداد عود الأحزاب اليسارية التي تمكنت لاحقا من القبض على السلطة والاستئثار بها مرورا بعدة أطوار متباينة، تمكن خلالها الفقراء من إعلاء ثقافتهم وأيديولوجيتهم وسياستهم. لكن هذا الحال لم يدم طويلاً، ما لم نقل إنه لم يستقر على هذه الصورة إلا لبرهة تاريخية، ريثما تمكن قادة الفقراء من تلمس آفاق تحولهم إلى أغنياء مع احتفاظهم على موقعهم الجديد كقادة مطلقين؛ هذا التموضع الجديد تطلّب منهم المحافظة على أيديولوجية الفقراء وإعادة إنتاجها دوماً على صعيد الخطاب الرسمي وفي تلافيفه. لكن مع تغيّر الظروف قُدماً في هذا الاتجاه لم يعد لأحد من قادة الفقراء هؤلاء أدنى حاجة إلى مثل هذا الخطاب وهذه الأيديولوجيا، فعمدوا إلى التخلي عن كل قول يأتي على ذكر الأغنياء أو الفقراء، وبالتحديد عن وجود تناقض أو صراع بينهما. إذن خلاصة هذا الصراع ونتيجته: خسارة الأغنياء خطابهم الإيديولوجي وانتصارهم الصريح على الصعيد السياسي والقيادي؛ في مقابل فوز خطاب الفقراء الإيديولوجي وهزيمتهم المشينة على الصعيد الحياتي والمعيشي. وليس من المهم، إطلاقاً، التمايز الواقعي بيم أغنياء وفقراء اليوم وبين سابقيهم الذين شكلوا قطبي الصراع الاجتماعي، فمازالت المعادلة هي نفسها: أغنياء وفقراء، بغض النظر عن المنبت أو التحدّر الاجتماعي إن كان مدينياً أم ريفياً أو غير ذلك. ذلك على الرغم من أن الفارق بين البرجوازيين، أغنياء الأمس، والماليين، أغنياء اليوم، يشكل أهمية نوعية كبرى على صعيد آخر غير الذي نتناوله. ليس الصراع الطبقي أو الاجتماعي أمرٌ يخلُّ ببنيان المجتمع أو بقوامه، طالما لا يتوسل العنف أو إلغاء الآخر آليات له. فأي مجتمع يقوم على فئات وطبقات وشرائح اجتماعية تتشارك في مصالح، لكنها تختلف وتتعارض في مصالح أخرى كثيرة. أما حالنا "التصالحي" الراهن فهو الذي يتهدد بنياننا المجتمعي، خاصة من ناحية تزييف صورة الواقع الاجتماعي بإظهاره مجتمع خال من التناقض بين الأغنياء والفقراء وإظهارهم وكأنهم يتشاركون جميعا ضمن متّحد اجتماعي لا يحتوي إلا المصالح المشتركة بينهم. وهذا التزييف ليس وليد اللحظة الراهنة بل تأسس قبل الآن بفترة طويلة؛ ويمكننا استحضار أكثر من مثال يؤكد هذا النزوع التزييفي الذي هدف منه أصحابه إثبات انتصار ثوراتهم وحركاتهم التي رفعت شعار العدالة الاجتماعية، لكنني سأكتفي بمثال اللباس الجامعي الموحَّد (بالفتح) الذي طُبّق في بداية الثمانينات بذريعة أن يكون موحِّداً (بالكسر) لطلبة الشعب الواحد، فلا يتميز الطالب الغني عن الطالب الفقير بلباسه وإن تميز عنه بكل الأشياء الأخرى!! في تلك الآونة "الثورية" عمد قادة الفقراء الذين سيطروا سياسيا، متأثرين بالاشتراكية العالمية، إلى حل مسألة الصراع الطبقي والاجتماعي، متوهمين بإمكانية تحقيق ذلك، فحاولوا صهر جميع الفئات والطبقات ضمن مقولة "الشعب الواحد"، الذي يجب ألا يتمايز بعضه عن بعضه الآخر بالتعليم أو الطبابة أو الخدمات …الخ؛ فتم توحيد هذه القطاعات أو مصادرتها وإدراجها ضمن المؤسسات العامة. جرى ذلك ضمن سياسة تقييد مجالات القطاع الخاص والقضاء على بعضها؛ وكان الهدف من ذلك مزدوجاً: إلغاء وتحجيم الملكيات الكبيرة التي يمكنها التأثير على الاقتصاد، وإلغاء التميّز الخدمي والحياتي للفئات والطبقات الغنية. من هنا يمكن لنا النظر إلى ما يحصل الآن من إعادة الاعتبار للقطاع الخاص على أنه اشتغال على كلا المنحيين المذكورين: فبالإضافة لإفساح المجال على مصراعيه أمام الرساميل الخاصة للعمل والسيطرة على قطاعات اقتصادية حيوية ومركزية، كانت قد سيطرت عليها الدولة إبان الحقبة "الثورية"، وهذا أمر لا تخفيه السلطات بل تتباهى به وتأكد على ضرورته، فإن أمرا آخر بالغ الأهمية، لا تأتي على ذكره السلطات الاقتصادية والسياسية، أخذ يتكرس ويترسخ في واقعنا المجتمعي متمثلا في تمايز حاد بين حياة الأغنياء وحياة الفقراء. فإنشاء التعليم الخاص والطبابة الخاصة وأمكنة الخدمات والترفيه الخاصة لا تندرج تحت بند تشجيع الاستثمار الخاص، أو ليس هذا هو كل السبب في إنشائها، بل خلق مناخ تمييزي بين الأغنياء والفقراء. وجود التعليم الخاص والطبابة الخاصة وأيّ من الجوانب أو القطاعات الخدمية الخاصة ليس أمراً مرذولاً لا على الصعيد الأخلاقي ولا الصعيد الاجتماعي. فطالما توجد طبقات اجتماعية تتمايز عن بعضها بالملكية لا ضير من وجود تباينا بينها على الصعيد الخدمي. لكن في حالتنا الراهنة نجد، إضافة إلى جانب الزيف، إهمالاً مجحفاً بحقوق الفقراء وبخدماتهم؛ فبالوقت الذي نشهد تنامي هائل للمؤسسات التعليمية الخاصة (ذات الأجور المرتفعة جداً) يعاني قطاعنا التعليمي العام من ويلات ليس أقلها قلة المدارس والبنية التحتية الضرورية لأي تعليم، وكما نشهد تنامياً ملحوظاً في تشييد مستشفيات خاصة (ذات الأجور المرتفعة جدا) فإننا لا نلحظ ما يوازيها نسبيا في بناء المستشفيات العامة. وهذه المقارنة يمكننا سوقها على كافة المجالات بما فيها قطاع الترفيه حيث لا يحظى الفقراء بحديقة عامة جديدة أو مسرح أو سينما…الخ في مقابل كل فندق ومطعم ومنتزه من المستويات الفخمة، التي لا يمكن للفقير ارتيادها. تفترض الحكومة، أو تدّعي زيفاً، أن ما تقوم به أو تسمح به من الخدمات "الراقية" هو لخدمة المواطنين. هذا الكلام غير صحيح، فلا علاقة لمسألة المواطنة هنا؛ فإن افترضنا تساوي السوريين بمواطنيتهم (وهو أمر غير محقق أو غير متوقعن) فهذا لا يعني تساوي فرصهم بالاستفادة من المؤسسات التعليمية الخاصة والمستشفيات الخاصة، فالفقير لا تعود عليه إقامة هذه القطاعات سوى بالحسرة، حيث أن كلمة الخاصة التي توصف بها هذه القطاعات ليست متأتية من كون رأسمالها خاصا بل من أنها تقدم خدماتها (موضوعياً) لخاصة الناس. كذلك فإن السوريين الذين يتزاحمون للركوب بالسرفيس لا يقومون بذلك بصفتهم مواطنين بل لكونهم فقراء. ليست الدولة هي المسؤولة الوحيدة عن هذا الزيف وهذا التنازل عن حقوق الفقراء، بل النخب السورية الثقافية والسياسية بجميع تلاوينها وتحزباتها. فقد غيّب هؤلاء عن خطابها كل حديث عن العدالة الاجتماعية وعن الفقراء، اللهم إلا إن تطرّقوا أحيانا بالكلام عمن هم تحت خط الفقر. لكن هؤلاء ليسوا موضوع هذا المقال وليسوا المقصودين فيه، فالفقراء الذين أتحدث عنهم هم السوريين الذين ليس بمقدورهم امتلاك مسكن وسيارة، ويعملون أكثر من ثماني ساعات في اليوم لتأمين معيشتهم، وليس لهم أي تأمين للصحة والتقاعد، وغير ذلك من شروط الحياة الكريمة. فالخطاب الثقافي والسياسي الراهن لم يعد يتسع لتناول مسألة الفقراء بعد أن امتلأ بالحديث عن الديمقراطية والمواطنة وعن السياسة الدولية أو الإقليمية وعن العولمة. لا يجوز لنا طمر الصراع بين الأغنياء والفقراء بأي نوع من أنواع الردم، بل يجب دوماً تأجيجه ضمن الأطر السلمية والقانونية، فالوطن لا يقوم على تأمين الخدمات لأغنيائه، بل العكس من ذلك تماما: فكلما توافرت الخدمات لفقرائه يصير وطناً للجميع: عدد وإمكانات المستشفيات العامة، نسبة عدد المدارس إلى عدد التلاميذ، مستوى التعليم ومستوى خريجيه، الكهرباء، الماء، المواصلات اللائقة …الخ. ليس المطلوب الدفاع عن حقوق الفقراء، وإلا ذهب الخطاب صوب الشفقة والإحسان ووجوب الزكاة، بل من المفترض استحضار أيديولوجيتهم والتأكيد دوماً على حضورهم وثقلهم الاجتماعي، من دون الوقوع، مرة جديدة، بما سميَّ في السابق بأيديولوجية أو فلسفة التعتير، أي التباهي بالفقر والدعوة إلى الإفقار وترذيل الغنى والرفاه والبحبوحة، التي تم تجييرها حينها لخدمة أيديولوجيات حزبية أخرى، تستفيد من واقع حال الفقراء كقوة ضاربة، أو ناخبة، في مواجهة حزبيات منافسة. وربما يكون من الأجدى، على هذا الصعيد، استبدال حصة العمال والفلاحين في المجلس النيابي، وغيره، بحصة للفقراء!! ليس المطلوب في مواجهة ذلك إلى عمل حزبي، بل يكفي، ربما، أن يتنبه الخطاب الثقافي إلى عدم ترويج ثقافة انتصار الأغنياء والتسليم بهزيمة الفقراء. فقد سيطرت على خطابنا وقيمنا فكرة الخلاص الفردي، وبات الترويج لها في مواقفنا ومسالكنا كأفراد أمراً رائجاً ومعتمداً. وأسقطنا من ثقافتنا حقوق الفقراء على الأغنياء، وقصرنا حقوقهم على الدولة فقط؛ فمن الجيد، ما لم يكن من الضروري، إلزام كل غني يريد أن يقيم استثماراً، خاصة على الصعيد الخدمي، أن يقدم للفقراء وليس للمواطنين منحة تعادل تكلفتها نسبة محددة من قيمة استثماره، فمن يبني مستشفى خاصاً عليه أن يبني ويجهّز مستوصفاً عاماً، ومن يقيم مؤسسة تعليمية خاصة يتوجب عليه أن يبني أو يساهم في بناء مدرسة عامة، وحتى من يشيّد جامعاً يضع عليه اسمه الشخصي أو اسم والده عليه أن يبني مدرسة عامة وليست دينية.