"ان موت الانسان يتزامن مع الفصل التام بين العلم والثقافة " (نيكوليسكو بسراب)

يُعدّ النهوض العلمي للأمم والشعوب أحد أهم أوجه تطور النتاج الحضاري للإنسان، فالازدهار الفكري وتبلور الوعي ينعكس في الطفرات العلمية والتكنولوجية، لأن العلوم التطبيقية هي التي تضع الأفكار موضع التجربة والاختبار، فالفكر الفلسفي الذي يطرح إشكاليات الوجود هو الذي يؤسس و يسبق النهضة العلمية التي تعد أحد أهم أوجه المدنية.

وإذا ما أردنا أن نحلل الأفكار التي سادت خلال القرن العشرين، فإننا نجد أن الأفكار الانعزالية المنغلقة هي التي حرّكت القرن الفائت بأسره، بالرغم من التطور المدني الآلي الهائل، فالعلوم لم تتمكن من الانفلات من الصراعات الأيديولوجية والعقائدية المذهبية والسياسية، فالاشكاليات ما تزال دائرة حول تسخير العلم والاقتصاد من أجل الهيمنة والتوسع من خلال استخدام العلماء، وهو الامر الذي خلق شعور بالحذر من حيادية العلم نفسه ومن حقيقة احكامه وما ينجم عنه. فاستخدام العلم والتكنولوجيا، للسباق نحو التَّسلح وانتاج أسلحة الدمار الشامل، والأسلحة الفتاكة، هذا عدا الدراسات الجارية على قدمٍ وساق في ميدان علم الوراثة و ما يمكن أن ينتج عنه من محاذير أخلاقية خصوصًا فيما يتعلق باستخدام الاستنساخ البشري لأغراض عسكرية، كلها أمور تحتاج الى خلفيات معيارية اخلاقية بالدرجة الاولى وهي لا يمكن ان تنفصل عن المنظومة القيمية للافراد القيمين والقائمين على الأبحاث نفسها. فبشاعة الحروب والدمار الذي شهدها العالم، جعلت المفكر منَّا ينظر نظرة شك الى استقلالية المضامين العلمية عن استراتيجيات العمل المؤسساتي الخاضع في نهاية الأمر للقرارات السياسية وميزانيات الدول؛ لذلك فإن العلم قد تسيس كما العقائد والأديان وذلك من خلال انخراطه بدورة العجلة الاقتصادية من جهة وانخراطه في دواليب المؤسسات من جهة أخرى، الأمر الذي جعله خاضع تحت نفوذ الأنانية السلبية للفرد وجشعه. وفي هذا السياق تشير إيزابيل ستنغريس - وهي عالمة بلجيكية متخصصة بفلسفة العلوم وعملت لسنوات طويلة في معالجة الإشكاليات الدائرة بين المفاهيم العلمية المعرفية و المفاهيم الاجتماعية - في أن التمييز الذي يحصل بين الواقع والمحتمل والمتوهم يترجم لنا الفضاءات التي تظهر في حدودها القصوى علاقات نفوذ السلطة داخل العلوم " لذلك فهي تخلص الى نتيجة مفادها: ان السؤال الجوهري للفيزياء هو في حقيقته ليس إلا سؤالا سياسيًّا واجتماعيًّا.

وبالرغم من محاولات البعض الدؤوبة لعدم ربط المعرفة والعلم بالقيم الاخلاقية، إلا أن الشواهد العملية و انتشار الاستخدامات اللانسانية للمنتجات العلمية تؤكد إنه لا يمكن بحال من الأحوال فصل العلوم عن مجريات الاحداث التاريخية المحيطة بها، لذلك فإنها مرتبطة بالمجتمعات من جهة كما هي مرتبطة بالحدث التاريخي من ناحية ثانية، الأمر الذي يجعل القيم محدد محوريٌّ مهم فيها، لذلك فإن السلطة تجنح نحوها وتجعلها طرفًا في الصراعات الدموية المحمومة.

إن تسليط الضوء على الجانب السلبي للاستخدامات العلمية لا يريد أن يجنح بحال من الأحوال إلى وضع العلم في قفص الاتهام، بل للفت الانتباه الى أن تسخير العلم لأنانية الإنسان وسلبيته الانفعالية هي التي حوّلت العلم من جانبه الإيجابي الى جانبه السلبي. فالعلوم بوجهها الإيجابي ممكن ان تستخدم لترسيخ قضايا تخدم السلام العالمي من خلال القضاء على الفقر و مشكلات التغذية والحفاظ على البيئة والطبيعة.... فالعالم اليوم يواجه بدون شك تحدّيات مصيرية وإنسانية بالغة التعقيد، فالكوارث البيئية والحروب الحاصلة تعكس شدّة عداء الانسان تجاه الطبيعة، وحدّة عنف الانسان تجاه الانسان، الأمر الذي يرمي بنا في تخلّف دامس سببه بالدرجة الأولى إحلال الانفعالات محل الوعي و إغفال الجانب الروحي والقيمي في حياة الأفراد والجماعات.

إن المصالحة بين العلم والثقافة والروح واجب حضاري وإنساني يضعنا أمام سعيٍ دؤوب لطرح رؤية جديدة منفتحة للوجود تحدد علاقة الانسان بالإنسان وعلاقة الانسان بالكون وما يتمخض عنها من مفاهيم جديدة عن الزمان وتنظيم مغاير للمكان، بحيث يصبح العلم أداة إيجابية تحقق مزيد من الانسجام بين الكائنات والكون، وتصبح التقنية استراتيجية لتحقيق كيفيات الوجود وبهذا المعنى تتحول من نمط إنتاجي إلى نمط تجلِّ وانكشاف بحيث يغدو الانسان مستودعا للطاقة الكونية لا هوية محددة له ويصبح الانفتاح الدائم صفة ملازمة لوجوده.

وفي ظل هذه الرؤية فإن إرادة السيطرة لا يكون لها معنى الا في ذاتها فتتلاشى الصراعات كما أن إشكاليات العلم والمعرفة والحقيقة و السياسة والسلطة ستتخذ معاني أُخَر، فلن تعود المسألة تحديد مواقع الحقيقة، بل إنّ مفهوم الحقيقة ذاته سيصبح عبارة عن مجموع استراتيجيات والعمليات التي يتم بفضلها إنتاج قيمة القيم وتحديد نظام الخطاب وسياساتها.

يقودنا هذا الطرح لإعادة النظر في مسألة علاقة العلم بالخبرة الروحية للكائن الإنساني، لأن الروح هي المحفز للانطلاق في عالم التطور، فالوعي الكوني هو الذي يمد الكائن بالفكر والحدس، والروح هي التي تعبّر عن واقع الحياة وانطلاقها لبلوغ ذروة الإبداع بفعل الطاقة الكامنة فيها، متجاوزة بذلك كل الانغلاقات المادية محققة تطورًا مستمرًا وحرّية لا متناهية، واولى هذه الخطوات تتجلى من خلال رأب الصدع بين الثقافة والعلم وبين العلم والروح، لأن جوهر المظاهر المادية ليس إلا تجليًّا للروح بكليتها على مستوى كوكبنا الأرضي.

وهنا يتحقق وجود الانسان من خلال مرتكزين أساسيين هما المرتكز العلمي والمرتكز القيمي الأخلاقي الروحي، فيتخطى الانسان أنانيته ويسخر العلم لخدمة الوجود والكون، فيتناغم مع الكليات، و يرى عن طريق العلم: الوجود بكثرته وتنوع صور تجلياته وتفاعلاتها العلمية، كما يرى عن طريق الروح:أن الوجود كلا متكاملا موحدًّا. هذا التكامل هوما يمكن أن نسميه وحدة الكثرة، وهي الوحدة القائمة على التعددية والتنوع من خلال ضم وجمع الوحدات الأخرى دون أن تختزلها،ومن هذا المنحى فإن الإنسان الكوني التعددي ليس من يتقن لغات عدة ويطلع على ثقافات متنوعة إنما هو الكائن الذي يوجد بين الثقافات بحيث يمتلك القدرة على اكتناف التنوع ضمن كينونته الانسانية نفسها

مصادر
ايلاف