GIF - 77 كيلوبايت
عماد مغنية

ذهب عماد مغنية الى الاستشهاد وحده، ليصبح ثالث الشهداء في عائلة الحاج فايز مغنية ولو أنه بكّر في الرحيل نسبة الى عمره الوجيز (46 عاما). خرج مغنية، شهيدا، للمرة الأولى الى الضوء، معيدا الاعتبار الى اسمه وإلى بعض «انجازاته» التي سيبقى الكشف عن تفاصيلها ملك حزبه.

هو موت بطيء وساذج واغتيال «روتيني» لا يمت بصلة الى خبرة مغنية وحزبه ومقاومته... ما استدعى طرح أسئلة كبيرة حول الجهة التي تقف وراء اغتياله، وكيف أمكن تحقيق هذا الاختراق الأمني النوعي، وفي قلب العاصمة السورية، سواء بكشف شخصية مغنية أولا، ورصد تحركاته ثانيا، والنيل منه ثالثا، وهي مهمة فشلت في تنفيذها، على مدى عقود دول وجيوش وأجهزة استخبارات خصصت عشرات الملايين من الدولارات لمن يقدم رأسه الى الأميركيين والإسرائيليين، ولكن دون طائل، حتى أن البعض خشي «من مجرد خطفه» كما حصل مع الفرنسيين في نهاية الثمانينيات !

ليس سرا أن عماد مغنية هو أحد أبرز المطلوبين أميركيا، ويوازي في أهميته زعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن، ولم يتردد مسؤولون أميركيون، رؤساء، ووزراء خارجية ومسؤولون أمنيون وسفراء، في مطالبة الدولة اللبنانية ودول أخرى بتسليم مغنية مقابل «أثمان كبيرة»، حتى أن أحد السفراء الأميركيين السابقين في بيروت، قال في يوم من الأيام «سنبقى نطالب برأس عماد مغنية ولو بعد ألف عام»!

في الساعات الأولى، كان يصعب تصديق أن تلك الصدمة التي أصيب بها «حزب الله» سيخرج منها سريعا، ولكن الحزب أثبت تماسكه في ساحة المقاومة، وخرج أكثر قوة ومراسا وحذرا، وهو الأمر الذي عبّرت عنه القرارات السريعة التي اتخذها الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله بتعيين رئيس جديد لـ«المجلس الجهادي» في «حزب الله»، بدلا من مغنية الذي كان واحدا من أعضاء شورى القرار في الحزب.

ولعل السؤال الذي طرح نفسه، على قيادة المقاومة، وربما أبعد منها، على طهران ودمشق، هو أي رد سيقرره «حزب الله» على هذه الجريمة، وهذا السؤال، استوجب، في ظل غموض الأجوبة، اقدام الأميركيين على اتخاذ تدابير احتياطية غير مألوفة في لبنان والمنطقة، فيما قرر الاسرائيليون رفع حالة التأهب والاستنفار ليس في الداخل الاسرائيلي وفي منطقة الحدود الشمالية مع لبنان، بل على مستوى السفارات والمؤسسات الاسرائيلية في الخارج...

ومن المتوقع أن يعلن السيد حسن نصر الله في كلمة له أمام حشد المشيّعين في مجمع سيد الشهداء في الضاحية الجنوبية، من جمهور العاصمة والضاحية الجنوبية فقط، عن بعض سيرة مغنية وخاصة بصماته في «حرب تموز» وعن طبيعة قرار «حزب الله» بـ«الرد الموجع والقاسي»، تاركا للاسرائيليين وربما لغيرهم أن يحتاروا بين حدي الرد العسكري وحدوده.. والرد الأمني وساحاته المفتوحة على احتمالات يصعب التنبؤ بها مسبقا. لذلك، أعلن «حزب الله» اعتبارا من فجر الأربعاء «وحتى اشعار آخر»، حال الاستنفار القصوى في جميع صفوفه، فيما كان الاسرائيليون يعبرون عن فرحتهم بعد أن قرروا التنصل من الجريمة، وشاركهم في ذلك الأميركيون الذين قالوا إن «العالم صار مكاناً أفضل من دون وجود هذا الرجل». ولقيت الجريمة استنكارا لبنانيا شاملا، وسط تحضيرات قوى الرابع عشر من آذار لاحياء الذكرى الثالثة لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في ساحة الشهداء اليوم.

تفاصيل الجريمة

وفي التفاصيل، أنه قرابة الحادية عشرة الا ربعا من ليل الثلثاء الأربعاء، وبعد دقائق قليلة من مغادرته «شقة حزبية»، في حي كفرسوسة، احدى ضواحي دمشق السكنية الراقية، وخلال اجتيازه وحيدا ومن دون مرافقين، الرصيف باتجاه سيارته، انفجرت عبوة ناسفة في سيارة «باجيرو» كانت مركونة جانبا، على مقربة من سيارته، حيث أصيب عماد مغنية إصابة مباشرة وقاتلة.

ووفق مصادر متابعة، فإن الاستهداف طرح أسئلة سورية حول الأشخاص الذين كانوا على معرفة بأن مغنية توجه الى دمشق، وكيف تمكن المنفذون من كشف أن شخصية «الحاج رضوان» هي نفسها عماد مغنية، بينما كان يصعب تصديق أن الرجل يمكن أن يمضي نهارا واحدا في مكان ثابت، وإذا كان ذلك «الانكشاف» قد حصل بصورة مسبقة، فلماذا قرر «المترصدون» نصب «الكمين» في دمشق وليس في أي مكان آخر، ولماذا تم اختيار هذا الحي الدمشقي، المعروف بـ«حصانته» العسكرية والأمنية (كاميرات مراقبة وإجراءات أمنية ومقرات قيادية الخ...). وقالت المصادر ان عملية رصد حقيقية تمت على الأرجح لمغنية وربما تكون قد بدأت قبل وصوله الى الأراضي السورية، «ولعل الروتين والاطمئنان الخفي» قد كانا السبب الرئيسي لتسهيل الاستهداف، من دون استبعاد خروقات في مكان ما، «لكن خارج بنية «حزب الله» التي ظلت عصية على الاسرائيليين والأميركيين» على حد تعبير المصادر نفسها. وأضافت المصادر أن القاصي والداني، يعلم أن مغنية كان ملاحقا وأن محاولات عدة جرت لاغتياله، ربما المعلن منها حتى الآن قليل، ومنها محاولة أدت الى سقوط شقيقه فؤاد في التسعينيات، أما أخطر المحاولات وربما آخرها، فهي تلك التي استهدفت خطفه في الأجواء، بعدما كان في طريقه، من دمشق الى طهران على متن احدى شركات الطيران العربية، حيث اعترضتها طائرات حربية أميركية وحاولت إجبارها على النزول في أحد المطارات العسكرية لولا «الرسائل الكبيرة» التي بلغت الأميركيين والتي كان يمكن لها أن تؤدي الى اهتزاز الوضع الإقليمي برمته.

وأكدت المصادر أن السلطات السورية تجري تحقيقا وثمة شهود وبعض الموقوفين بالإضافة الى أشرطة من بعض كاميرات المراقبة المزروعة في الشارع الذي وقع فيه الانفجار. وأعلنت وزارة الداخلية السورية «ان التحقيقات الجارية حول انفجار السيارة المفخخة في حي كفرسوسة السكني، ليل امس الأول، بينت انه استهدف المناضل اللبناني عماد مغنية». وأضاف بيان رسمي لوزير الداخلية «ان التحقيقات مستمرة من قبل الجهات المختصة بحثا عن الفاعلين وأن الجمهورية العربية السورية اذ تدين هذا العمل الارهابي الجبان تعبر عن مواساتها للشعب اللبناني الشقيق ولأسرة الشهيد».

«

حزب الله» يدعو لأوسع مشاركة في التشييع

وفيما نعى «حزب الله» الشهيد مغنية واتهم اسرائيل باغتياله داعيا الى أوسع مشاركة في التشييع عند الثانية والنصف من بعد ظهر الخميس، في مجمع سيد الشهداء في الرويس، حيث يتم تقبل التعازي، اليوم الخميس والجمعة، فإن الجريمة، لقيت ردود فعل منددة من جانب معظم القيادات والقوى السياسية المعارضة والموالية، ولا سيما رئيس الحكومة فؤاد السنيورة والأمانة العامة لقوى 14 آذار.

وتقدم رئيس كتلة المستقبل النائب سعد الحريري بالتعازي من السيد نصر الله، داعيا «الى استخلاص العبر مما يواجهه لبنان من تحديات، في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخه». وقال ان دماء اللبنانيين جميعا، «يجب ان تتوحد في سبيل حماية الوحدة الوطنية ودعم الدولة ومؤسساتها وإعادة الاعتبار لمنطق الحوار والتلاقي مهما بلغت الصعوبات».

إدانة إيرانية وفلسطينية

وأبدى الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الإيرانية محمد علي حسيني، «ادانته الشديدة للعملية الارهابية التي أدت إلى استشهاد مغنية، أحد كبار قادة «المقاومة الاسلامية» في لبنان»، واعتبر أن هذا العمل «هو نتيجة واضحة، ونموذج بارز آخر عن الجريمة المنظّمة وإرهاب الدولة الذي يمارسه الكيان الصهيوني». وإذ أكد حسيني على مشروعية حقّ المقاومة تجاه المحتلين، طالب «بتحرك دولي لردع الكيان الصهيوني عن مثل هذه الجرائم التي تتعارض بشكل صارخ مع القوانين والمقررات الدولية».

وصدرت مواقف فلسطينية منددة بالجريمة ولا سيما من أجنحة المقاومة، وقالت كتائب شهداء الأقصى الجناح العسكري لحركة فتح في بيان النعي ان مغنية «أحد أبرز قادة المقاومة الاسلامية في لبنان وأحد صنّاع مدرسة المقاومة العالمية ورمز من رموز القضاء على الكيان الصهيوني». وحمّلت حركة الجهاد الإسلامي إسرائيل وعملاءها مسؤولية اغتيال مغنية، وطالبت « كافة الفصائل الفلسطينية بضرورة الردّ».

واعتبرت «حماس» ان اغتيال مغنية يشكّل «مثالاً للعربدة الصهيونية واستباحة للساحة العربية». وأكدت «الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة» أن الجريمة لن تمر من دون عقاب، وان يد المقاومة «سترد الرصاصات والمتفجرات القاتلة الى رأس وصدر قادة ورؤوس الارهاب الصهيوني وأدواته».

فرحتان إسرائيلية وأميركية

في المقابل، بدت اسرائيل محتارة بين الترحيب العلني وإشهار فرحتها، وبين اصرار أكثر من مسؤول فيها، على رأسهم ديوان رئيس حكومتها ايهود اولمرت على رفض «محاولة جهات إرهابية نسبة أي ضلوع لها في الحادث». ورفض أولمرت ووزير الدفاع إيهود باراك ورئيس الأركان الرد على أي سؤال بهذا الخصوص. ومع ذلك فإن كل واحد منهم على طريقته اختار سبيلا للإيحاء بالفرح.

ففي الطائرة التي أقلت أولمرت عائدة به من زيارته لألمانيا وعلى غير عادته، تحدث مع الصحافيين بميكروفون الطائرة مهنئا إياهم. والشيء نفسه قام به باراك مع الصحافيين في اجتماعه بهم بعد وقوع الانفجار. ولاحظت وسائل الإعلام الاسرائيلية أن الكنيست شهدت أمس حدثا لم يسبق له مثيل حين سارع اعضاء الكنيست الى اولمرت عند وصوله القاعه الرئيسية وقدموا له التهنئة والتبريكات على عملية الاغتيال. وقد ظهر اولمرت في قاعة الكنيست حيث اصطف اعضاء الكنيست ومن بينهم اعضاء في الليكود و«اسرائيل بيتنا» واحدا خلف الآخر ومروا من امام مقعده مصافحين اياه ومباركين له عملية الاغتيال ومطالبين اولمرت بنقل تحياتهم الى رئيس «الموساد» مئير دغان. وقطعت محطات التلفزة والاذاعات برامجها فور الاعلان عن مقتل مغنية وقدمته على انه «الارهابي الاخطر في الشرق الاوسط منذ 30 عاما».

وعنونت صحيفة «يديعوت احرونوت» على موقعها على الانترنت «لقد تمت تصفية الحساب: مقتل مغنية في دمشق». وأفادت المحطة الثانية في التلفزيون الاسرائيلي ان الاجراءات الامنية حول السفارات والقنصليات الاسرائيلية «يجب ان تعزز خشية وقوع هجمات». وقال موقع «يديعوت أحرونوت» الالكتروني إنه «بعد سنوات من مطاردة تجاوزت حدودا كثيرة تمت تصفية أحد كبار المطلوبين في العالم». وقال عضو الكنيست الاسرائيلي من «حزب العمل» داني ياتوم الذي خدم في التسعينات كرئيس لـ«الموساد» وكان قائدا للجبهة الوسطى إن المساس به يشكل ضربة شديدة لـ«حزب الله» معنويا وعملانيا لأنه ليس من السهل اقتفاء أثره وقدراته ولكن لكل واحد بديلا هناك. ومن المهم جدا مواصلة ضرب رؤساء المنظمات الإرهابية لأن ذلك يضعفهم معنويا وجوهريا». واعتبر أن مغنية «يعتبر أحد أشد الإرهابيين وحشية وأكثرهم خطرا في أي تنظيم إرهابي».

وفي واشنطن، أشادت الولايات المتحدة باغتيال مغنية، وقال شون مكورماك المتحدّث باسم الخارجية الأميركية إن «العالم صار مكاناً أفضل من دون وجود هذا الرجل. لقد كان قاتلاً شرساً، وارتكب أعمال قتل جماعية وهو إرهابي مسؤول عن قتل عدد لا حصر له من الأبرياء».

الفيصل في باريس

من جهة ثانية، استكملت الاستعدادات لحشد شعبي وسياسي كبير، اليوم الخميس، في ساحة الشهداء، لمناسبة الذكرى الثالثة لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، حيث ستلقى كلمات أبرزها للنائب سعد الحريري الذي أكد عشية الذكرى، أنه ماض في خيار الحوار وانتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية.

الى ذلك، أفادت مصادر دبلوماسية في العاصمة الفرنسية، أن وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل وصل أمس الى باريس في زيارة لبنانية، هي الثانية خلال أقل من عشرة ايام، ولاقاه هناك السفير السعودي في بيروت د. عبد العزيز خوجة، فيما تردد أن رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي انتقل مساء امس الأول الى المانيا، قد يزور العاصمة الفرنسية التي سيتوجه اليها هذا الأسبوع رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، حيث سيلتقي الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي.

عن موقع «السفير»