بينما كانت إسرائيل ـ وما زالت ـ تنكل بقطاع غزة وترتكب جرائم الحرب هناك زار رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت برلين لحشد الدعم للسياسات الإسرائيلية وهو بالذات ما فعله تقريباً وزير دفاعه ايهود باراك في انقرة، وهي السياسات التي عبرت عن نفسها في التفجير الذي استهدف في دمشق القيادي في حزب الله الشهيد عماد مغنية. السياسات الإسرائيلية خارج فلسطين سواء في شكلها أو إطارها الدبلوماسي السياسي أو في شكلها الأمني تستهدف تحقيق نتيجة واحدة: الاستفراد بالشعب الفلسطيني وفرض الاستسلام عليه ومنع أي دولة أو جهة أو فريق او فرد من تقديم الدعم له في مواجهة الحرب الإسرائيلية المفتوحة ضده. في برلين كما في أنقرة تم الحديث عن محور الشر السوري الإيراني حسب التعبير الإسرائيلي ـ وضرورة ممارسة المزيد من الابتزاز والضغوط وحتى الإغراءات لنسف وتفكيك هذا المحور كما جرى الحديث عن الملف النووي الإيراني وعرض ما تيسر وما أمكن من وثائق استخبارية تزعم أن إيران ماضية في مشروعها النووي العسكري وأنها تنجح فى خديعة وإلهاء العالم ـ خاصة الاوروبيين ـ عن تلك الحقيقة وبالتالي فإن إسرائيل قد تكون مضطرة في لحظة ما لمواجهة الحقيقة والتصرف ليس فقط دفاعاً عن مصالحها بل أيضاً دفاعا عن العالم الحر العاجز واللامبالي تجاه إيران وطموحاتها النووية والإقليمية. أولمرت وباراك ثرثرا ايضا وخاصة الأخير حول رغبات إسرائيل السلمية تجاه سوريا وأنها مستعدة لاستئناف المفاوضات معها دون شروط مسبقة أما مطالبة سوريا بالتخلي عن دعم الإرهاب ـ حركات المقاومة ـ وتسهيل الحل السياسي في لبنان وتسهيل المشروع الأميركي في العراق فلا يمثل كل ذلك شروطا مسبقة وإنها مجرد بطاقة العضوية للعالم المتحضّر والمتنور الذي يحل مشاكله على طاولة التفاوض والحوار بعيدا عن الحروب وويلاتها. غير أن المعطيات السابقة على أهميتها ليس أكثر من تغطية أو تمويه أو حتى الاسم الحركي للهدف الحقيقي للحركة الدبلوماسية المكثفة والمتمثل في نيل الدعم أو حتى السكوت والتغاضي عما تفعله إسرائيل في فلسطين عامة وفي قطاع غزة خاصة. حصار وتجويع وقتل يومي وعقاب جماعي لشعب كامل في فلسطين المحتلة، عمليات الاغتيال البشعة تحصد الأطفال والنساء والشيوخ، الكهرباء تقطع عن المستشفيات والمدارس والجامعات، الوقود غير كاف لعمل محطات الكهرباء ولا بقية المحطات المتعلقة بالبنى التحتية الأخرى من مياه وصرف صحي وما إلى ذلك، باراك وأولمرت وبدلاً من استقبالهما كمجرمي حرب يستقبلان كقادة ورجال دولة في تغطية وشرعنة واعتراف بكل السياسات الإسرائيلية المتبعة، ولم يكتف الزعيمان الإسرائيليان بذلك بل طالبا بالمزيد والمزيد يتمثل بعملية عسكرية كبيرة في قطاع غزة تتضمن اجتياحا لثلاث مناطق مهمة وحساسة منه الشمال وحيث تزعم إسرائيل ان إطلاق الصواريخ يتم من هناك ـ الجنوب وحيث تزعم إسرائيل أن تهريب السلاح يتم من هناك، و مدينة غزة ـ حيث القيادة السياسية والميدانية للمقاومة وخاصة لحركة حماس وحكومتها الاجتياح سيتحرج بالتأكيد وسيمتد لأسابيع وربما لأشهر وسيوقع مئات وربما آلاف القتلى من الجانب الفلسطيني وسيشرد ربما مئات الألوف الأكيد أن ثمة كارثة إنسانية ستحصل ولا تريد إسرائيل تحمّل مسؤوليتها، لذلك يبحث قادتها ليس فقط عن ضوء أخضر أو موافقة ودعم ـ وحتى سكوت ـ دولي عن تلك العملية وإنما عن تحمل المجتمع الدولي لتداعياتها الانسانية والسياسية الكارثية عبر إرسال قوات دولية تتولى حفظ الأمن والهدوء، بعد تنفيذ الجيش الإسرائيلي لأهدافه والانسحاب ومنع المقاومة الفلسطينية من الرد لاظهار بؤس العملية وعقمها وعجزها عن النيل من إرادة المقاومة روحها القتالية. هذا هو الهدف الأساس والمركزي للحملة الإسرائيلية الدبلوماسية والسياسية، أولمرت حقق نتيجة نسبية أفضل من باراك فقد زعم أن إسرائيل تلقت ضوءاً أخضر ولو ضمنياً للخروج في عملية واسعة في قطاع غزة وأنه لمس في ألمانيا ـ قدراً كبيراً من التفهم لحاجات إسرائيل الأمنية وحقها في الرد على الهجمات الإرهابية ومع أن المستشارة الألمانية أبدت في البداية تحفظاً عن عملية واسعة لكنها أعربت لاحقاً عن دعمها وتفهمها حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها. الطابع او المزاج الشخصي للزعيمين الاسرائيليين. فرض نفسه على الحركة الدبلوماسية الاسرائيلية فبينما مال أولمرت لطلب الدعم والتفهم والاصرار عليه ولو من باب الدفاع عن النفس وهو الأمر الذي فعلته وزيرة الخارجية تسيبي ليفني ولكن في سديروت حيث جمعت 70 سفيراً و دبلوماسياً وملحقاً عسكرياً وأطلعتهم على الواقع الميداني على قاعدة أن الوضع لا يمكن أن يستمر وأن لإسرائيل الحق في فعل أي شيء وكل شيء من أجل الدفاع عن نفسها وحماية مواطنيها.. بشكل مختلف تصرف الجنرال باراك فهو طلب دعم الأتراك ولكنه بث مواجه هجومي مفاده أن إسرائيل ستفعل كل ما يحلو لها وما تراه مناسباً بغض النظر عن مواقف الآخرين وهو تحدث بغطرسة للصحافة التركية قائلاً: لن نتخلى عن الرد بصورة مفرطة مهما تكن مواقف الرأي العام العالمي فنحن نريد السلام هذا السلام لن يحصل إلا بعد أن يدرك جيراننا بصورة قاطعة أن إسرائيل لن تنهزم بالحرب او الإرهاب أو الدبلوماسية وهم لن يتخلوا عن استخدام هذه الوسائل إذا لاح لهم امل ان بإمكانهم أن ينتصروا في أي من هذه المجالات ـ ضمن نفس السياق السابق يجب أن نضع جريمة اغتيال القيادي في حزب الله عماد مغنية فكل من ساعد الفلسطينيين في الماضي لا بد أن ينال العقاب الرادع ـ من وجهة النظر الاسرائيلية التي تعتقد أن ضربة كهذه بحق حزب الله ستمنعه وتردعه عن التفكير بمساعدة الفلسطينيين او فتح الجبهة الشمالية أو أي جبهة أخرى في حالة اجتياح قطاع غزة وارتكاب مجازر وفظائع هناك. الكاتب التركي في صحيفة ملليت سميح إيريز قابل باراك في أنقرة وخرج بالانطباع التالي عن السياسة الإسرائيلية الحالية والمستقبلية: إسرائيل تريد معاملة أعدائها ليس على مبدأ المثل بالمثل بل المثل بألف مثل ليس ثمة بصيص أمل لحلول قريبة في المنطقة، باراك يستدعى وادي الذئاب حيث لا رحمة للضعيف وبالتالي فإن الصراع العربي الإسرائيلي في الظروف الراهنة قد يستمر مئة سنة أخرى.

مصادر
السفير (لبنان)