لم أكن مضطرة للبحث في الملفات السياسية حتى أدرك أننا نجرح المجتمع أحيانا، أو نكتب أسماءنا بلغة غريبة عندما ننسى بأن هناك زمن قادم، وأن التعامل مع الأزمات السياسية بالدرجة الأولى لا يبقى ضمن أروقة الرسميين على امتداد العالم العربي... فهناك بشر يتلقفون الرسائل، وصورة تتشكل عند الأجيال عن مساحة الجوار الخاص بنا، فالسياسة لم تعد في عالم الاتصال حالة "نافرة" لمواقف متعددة، لأنها تقدم لنا أيضا موقفا اجتماعية من الآخر الذي ينضوي تحت "قرار سياسي" آخر.

في المشهد اللبناني لم تعد المسألة مجرد انقسام داخلي، لأنه صدر لنا خلافا على المستوى الاجتماعي على امتداد المساحة الجغرافية التي يصل إليها "الإعلام اللبناني". وهو في نفس الوقت يشكل للأجيال الجديدة رؤية ربما من المستحيل الرجوع عنها إذا استمر تصدير "الانشقاق" ليصبح "حدودا اجتماعية" بعد أن أتعبتنا الحدود السياسية.

واليوم أيضا نشعر أننا مرصودين كبشر وليس كسياسات، وملاحقين بأفعالنا وأقوالنا كي تأكد "الافتراق"، وتعيد رسم المجتمع على شاكلة القبائل المتنافرة أو المتصارعة على "المرعى". في نفس الوقت فإننا نتلمس الحدث وكأنه قادم ليكسر التشكيل الثقافي الذي تباهينا بأنه عصي على الاختراق، فيصبح أي حدث مجال جدل ربما لم يبدأ بقدوم فيروز إلى دمشق، ولن ينتهي أيضا بافتراض الصراع على لبنان من قبل "محاور" سياسية.

وتبقى العلاقة الاجتماعية أغلى من السياسة، ومن احتكار الناس لمواقف ربما تقودنا باتجاه آخر، فنقفز فوق القضايا ونجد أنفسنا محكومين بقناعات لم تكن تخطر على بالنا قبل انتشار الحملات الإعلامية بكل ما تحمله من "تعبئة" مجانية.

ما أخشاه اليوم أن يصبح عبور الحدود السياسية أمرا سهلا، والتعامل مع الشق الاجتماعي على المقلب الآخر رعبا... ففي أوج الحرب الأهلية اللبنانية لم يكن الانتقال إلى بيروت يشكل هاجسا، بينما يطرح اليوم الكثير من القلق، والأمر لم يعد مقتصرا على دولة دون أخرى، فنحن متخمون بالصور الجاهزة لمن يقفون خارج الحدود السياسية....

هل علينا توديع الزمن البراق لـ"القومية"؟!! وهل المسألة بالفعل عنوانا براقا استطاعت الأنظمة السياسية أن تحشدنا خلفه منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي؟!!! ما أراه اليوم، رغم أنني لم أعش مرحلة "الحشد القومي"، يجعلني أفر بأن المسألة أعقد بكثير من تركها كلون سياسي، لأننا في صورتنا الحالية محاصرون بـ"خوف اجتماعي" بعد أن كنا نحلم بتحطيم الحدود السياسية... مفارقة تدعوني اليوم للخجل لكنها برسم السياسيين والإعلاميين وكل المهتمين بالشأن العام....