كان أول إنجازات الوحدة المصرية السورية في سوريا تأمين المجتمع ضد المداخلات والضغوط الأجنبية وتداعيات تفاقم نزاعات قواه السياسية والعسكرية، وبالمنعة التي حققتها الوحدة توفرت الفرصة التاريخية لحل الإشكالات الاجتماعية التي لم يمتلك اليسار السوري قدرة على حلها، إذ أصدرت الوزارة الأولى التي شكلت في 8/3/1958 قوانين: الإصلاح الزراعي، وأملاك الدولة، والتعاون، والتأمينات الاجتماعية.

ولقد اضطرت حكومة الانفصال برئاسة معروف الدواليبي الإبقاء على مكاسب العمال والفلاحين، في دلالة توافق إنجازات عهد الوحدة مع مصالح أغلبية مواطني سوريا. ولقد بلغ معدل الإنفاق السنوي زمن الوحدة على المشروعات الإنشائية 178 مليون ليرة سورية ما يعادل 825 % منه في العامين السابقين.

وبإقامة وزارات: التخطيط والصناعة والشؤون البلدية والقروية والمصرف الصناعي والهيئة العامة للبترول، وتحققت إنجازات ملموسة في قطاعات الصناعة والسياحة والمشاريع البلدية والقروية والبنوك وغيرها من الأنشطة، فضلاً عن تحقق تطور كيفي في التخطيط المركزي، والوعي الاجتماعي.

ولقد نظرت القوى الوطنية والقومية العربية للجمهورية العربية المتحدة على أنها الإقليم القاعدة المسؤول عن دعم حراكها السياسي الاجتماعي مادياً ومعنوياً. ولما انتفضت المعارضة اللبنانية متهمة الحكومة بتدبير اغتيال الصحافي نسيب المتني في 8/5/،1958 وتطورت انتفاضتها لثورة عارمة، وقفت الجمهورية العربية المتحدة إلى جانب المعارضة في مواجهة الدعم الأمريكي لكميل شمعون وحكومته، حتى سقط رهان ايزنهاور ودالاس على الخلافات العربية العربية.

وبتضافر جهود البطريرك المعوشي مع فعالية عبدالناصر، وبتجاوب اللواء فؤاد شهاب مع مطالب المعارضة، نجحت المصالحة اللبنانية، وبدأت القوات الأمريكية بالانسحاب، والتقى شهاب وعبدالناصر على حدود الإقليم السوري، حيث اتفقا على تطوير علاقات لبنان والجمهورية العربية المتحدة، وتأكيد ارتباط لبنان بعمقه الاستراتيجي العربي.

كما كان قيام الجمهورية العربية المتحدة أحد العوامل الأساسية لتفجر ثورة 14 تموز 1958 في العراق. فقد كان عبدالناصر قد أكد لعبدالكريم قاسم وعبد السلام عارف الاستعداد لدعم أي تحرك ثوري في العراق، كما كان له ولأركان دولة الوحدة إسهام في تأمين الثورة وتثبيتها بمجرد إذاعة البيان الأول من إذاعة بغداد.

إذ أبلغ قادتها بالاستعداد لمساندتهم بكل الوسائل. فيما أعلن وهو يغادر بريوني في يوغسلافيا إلى موسكو بأن العدوان على الجمهورية العراقية هو عدوان على الجمهورية العربية المتحدة، وذلك في مواجهة نزول القوات الأمريكية في لبنان يوم 15/،7 والبريطانية في الأردن يوم 17/7.

وألاحظ أن عبدالناصر ألقى بثقل الجمهورية العربية المتحدة وراء ثورة العراق قبل وصوله موسكو، ما يعني أنه تصدى للمعسكر الغربي معتمدا فقط على القوى الذاتية العربية ممثلة بإمكانات الجمهورية العربية المتحدة، وتيار الحركة القومية العربية الصاعد، وشعبيته الكاسحة في العراق، التي قال فيها كاتب غربي مرموق: استقبلت بغداد انتصار قاسم بوصفه فوزا لناصر، الذي كان أكثر الزعماء شعبية عند العراقيين في ذلك الوقت. وعبر التاريخ لم تنجز عمليات التوحيد بالاتفاق فقط على توحيد الكيانات السياسية القائمة، وإنما بإنجاز توحيد المؤسسات والأجهزة والأنظمة والقوانين.

ودائماً كان إعلان الوحدة، وإشهار الدستور الوحدوي، مجرد إطار، بينما يمثل توحيد المرافق المضمون المعبر عن الوحدة أو الاتحاد. وهذا ما لم يتحقق في الجمهورية العربية المتحدة، بحيث إنها لم تكن في الواقع العملي دولة اندماجية بسيطة، وإنما اقرب لاتحاد فيدرالي بين إقليمين مصري وسوري يشتركان فقط في رئيس الدولة واسمها وعلمها.

إذ لم تنجز لجان التوحيد ما كلفت به حتى يوم الانفصال، بحيث وجد الانفصاليون دولة تمتلك كل مقومات الدولة. وكان الإخفاق على هذا المحور الأشد تأثيراً في حياة دولة الوحدة، ومستقبل الحركة القومية العربية. وبالتالي فإن درس التوحيد أول دروس التجربة المجهضة، وأول ما يقتضي التنبه له في أية عملية اتحاد عربية.

وعلى الرغم من أهمية وحدة الفكر السياسي، ومع أن القوى التي أقامت الوحدة كانت تنتمي للحركة القومية العربية، إلا أن وجهات نظر قادتها وكوادرها لم تكن متطابقة في فهم مضامين الشعارات القومية المرفوعة، بحيث فسر الشعار الواحد بأكثر من تفسير، واعتبر كل مفسر نفسه صاحب الرؤية الأكثر توافقاً مع الموقف القومي، ما تسبب في تباين المواقف إلى حد التناقض تجاه ما يجري تنفيذه، خاصة في ما يتصل بالديمقراطية والنظام الاقتصادي. علما بأن الفكر القومي العربي كان قد اغتنى بالتجربة وأجاب من خلال الممارسة العملية عن تساؤلات كثيرة.

وكانت الجماهير قد التفت من حول عبدالناصر لتحقيق شعار الحرية والاشتراكية والوحدة. وكان بمقدور القائد أن يفعل مثل الذي فعله بمصر بعد الانفصال، بأن يفتح باب الحوار لاستقراء الواقع الموضوعي، والاسترشاد بالتجارب الإنسانية المعاصرة، وصياغة الميثاق العربي القومي، الذي يلائم المرحلة.

ولو تحقق ذلك في الشهور الأولى للوحدة، لتوفر في الساحة الدليل النظري الموجه للمواقف والضابط للانحرافات، وفضلاً عن ذلك جرى التأخير غير المبرر في تشكيل الاتحاد القومي، الأمر الذي كان عاملاً أساسياً في خسارة التجربة عدداً غير يسير من نشطاء الحراك السياسي السوري وأقربهم للنهج الملتزم به الحكم، ولأمكن الحد من التداعيات الكارثية للنزاع البعثي الناصري.

وكان المتوقع، عربياً وعالمياً، غداة تفجر ثورة العراق تكامله مع الجمهورية العربية المتحدة. وذلك ما نشط مبعوثو بريطانيا والولايات المتحدة في بغداد لتعطيله، فضلاً عن تفجر الصراع القومي القطري في العراق، وتفاقم حدة الخلاف مع الأحزاب الشيوعية، واستشراء الدعوات اللاقومية المعادية للوحدة.

بل ووجد بين أركان الحكم من أبناء الإقليم السوري من سعوا لتحذير قاسم والمتحلقين حوله من الوحدة مع عبدالناصر، ومن تطلعوا لاتحاد العراق مع الجمهورية المتحدة لكي يشكل مع الإقليم السوري محوراً في مواجهة مصر، وكل القوى السياسية والفكرية في المشرق العربي مسؤولة تاريخيا عن هذا الإخفاق القومي.

والسؤال الأخير: هل كان العراق عانى ما عاناه على مدى نصف القرن الماضي، وهل كانت الأمة العربية على ما هي عليه من فقدان المنعة، لو أن قادة العراق توجوا ثورته المجيدة بتعزيز وحدة أمتهم، ووفروا بالتالي للعراق وللجمهورية العربية المتحدة وللأمة العربية أقوى ضمانات الحماية؟