من الرسائل الطريفة العابرة للايميل وصلتني رسالة بعنوان «موضوع تعبير خيلة». الموضوع مكتوب بأسلوب قصصي ساخر وبسيط, إلا أنه للأسف على شاكلة الرسائل الطريفة أو النكات السيارة, يُغفل عادة اسم كاتبها أو مرسلها الأول. توقفت عند هذه القصة «النكتة» دون غيرها, لما أثارته من تداعيات وإسقاطات لها علاقة بعملنا الصحافي وكتابة القصة الخبرية وصناعة الحدث السياسي إعلامياً, ملخص الموضوع يدور حول: طالب رسب في مادة التعبير, وعندما سُئل المدرس عن السبب قال: إن الطالب لا يركز بشكل جيد, ففي كل مرة نعطيه موضوعاً ليكتب عنه يخرج عن المطلوب. وأعطى مثلاً على ذلك ما كتبه الطالب عن فصل الربيع: فصل من أجمل فصول السنة تكثر فيه المراعي الخضراء, مما يتيح للجمل أن يشبع من تلك المراعي, والجمل حيوان بري يصبر على الجوع والعطش, ويستطيع المشي على الرمل بكل سهولة ويسر, ويُربي البدو الجملَ فهو سفينة الصحراء, فينقل متاعهم ويساعدهم على الترحال من منطقة لأخرى.... إلخ. ويستمر الطالب في التغزل بالجمل, وينسى الموضوع الرئيسي. قد يكون التباس الربيع بالمناظر الخضراء والحشائش, قد ربط الرعي بالحيوانات, فخطر الجمل على ذهن الطالب, ما جعله يخرج عن الموضوع ؟. لا, قال المدرس, فعندما طلبت منه موضوعاً عن الصناعات والتقنية في اليابان. كتب: تشتهر اليابان بالعديد من الصناعات ومنها السيارات. لكن البدو في تنقلاتهم يعتمدون على الجمل. والجمل حيوان بري أليف... إلخ , كذلك مع كل أمر, يكتب عنه نصف سطر, ثم وبقدرة قادر, يستحضر الجمل. مثلما كتب أيضاً عن الحاسب الآلي: جهاز مفيد يكثر في المدن ولا يوجد عند البدو, لأن البدو لديهم الجمل والجمل حيوان بري .. إلخ, وحينما أكد عليه ضرورة التركيز على الموضوع نفسه, تقدم بشكوى للوزير جاء فيها: أقدم لمعاليكم تظلمي هذا, وفيه اشتكي على مدرس مادة التعبير لأنني صبرت عليه صبر الجمل, والجمل حيوان بري يصبر على الجوع والعطش ويربي البدو الجمل... إلخ!! المتابع لأخبارنا السياسية في وسائل الإعلام, سيكتشف أن غالبيتنا نحن معشر الإعلاميين كُتاب الأخبار والتحليلات, نعيد ونفتق الموضوع ذاته, فعلى سبيل المثال موضوع الأزمة في لبنان بات البطل المحوري لغالبية العناوين الرئيسية منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري, وأصبح «الجمل» في الأخبار هو لبنان. من حدث المطالبة بإسقاط الرئيس أميل لحود, مروراً بإسقاط الحكومة والرئيس معا, إلى برزخ التحذير من الفراغ الرئاسي, الذي حصل ولم يغير بالأمر شيئا, لنصل إلى أزمة انتخاب رئيس يجمع عليه من لا يجتمعون.. وإذا جرى حديث عن عقد مؤتمر في انابوليس مخصص لتلميع بوش وإدارته, رُبطت نتائجه بحل الأزمة في لبنان. ومع ذلك المؤتمر ذهب إلى حاله وبقيت الأزمة اللبنانية على حالها, والأصح من سيئ إلى أسوأ. وبحكم تسلسلها الدراماتيكي المشوق, شكلت مادة غنية بإمكان الجميع أن يغرف منها ويُنظِّر فيها بجرأة نادرة عن معرفة أو جهل لا فرق, فالتقلبات تتسع لجميع الآراء, ومساحات البث والنشر الشاسعة جاهزة لابتلاع كل شيء وتقيّؤ كل شيء.. ومع اقتراب موعد القمة العربية بدمشق, أصبح موضوع لبنان ملازماً للقمة في تصريحات اللاعبين الأساسيين في المنطقة, وبالتالي في أخبار الصحفيين الذين بدورهم لا بد وأن يسألوا في كل مناسبة عن الأزمة اللبنانية, وتأثيرها على عقد القمة, ورد الفعل السوري على ما يقال عن تأجيل موعد, أو نقل مكان المؤتمر. طبعاً الأقوال والردود عليها لا تتغير... كقصة «الجمل» يحال كل شيء إليه, فتتكرر حكايته وتعاد بالكلمات ذاتها, مع تبديل مواقع الكلمات في العناوين لدفع الملل عن القارئ. ولمزيد من التنويع, لم توفر الثقافة والفن في الحديث عن الأزمة اللبنانية, فمثلاً خبر عن عرض أوبرا «كارمن» في دمشق, يبدأ على هذا النحو فاجأ الرئيس السوري بشار الأسد الجمهور يوم الأربعاء الماضي بحضوره العرض الثاني, و«كارمن» من إنتاج مشترك سوري ـ فرنسي, وقد اعتبرها السفير الفرنسي في دمشق رسالة حب من فرنسا إلى سوريا, في وقت تشهد فيه العلاقات الفرنسية ـ السورية نوعاً من الجفاء بسبب الأزمة في لبنان... الخ من قصة «الجمل» الأخاذة. وسبق أن جرى مع الأخبار التي تناولت حضور فيروز إلى دمشق, وسيجري لاحقاً مع أحداث ثقافية وفنية واجتماعية لا مناص من ربطها بالأزمة في لبنان, كرمى لعين أميركا التي تريد لهذا الحدث أن يتصدر ويأكل باقي الأخبار المتعلقة بفلسطين كـ»جمل» مزمن استنفد قواه بمئات الضحايا في نشرات الأخبار, وأيضا «العراق» كـ «جمل» مهيمن على الساحة, يهين الرئيس بوش يومياً, لا يمكن تجاهله إلا بصناعة أحداث تمثل بؤراً دخانية تعمي عيون الإعلام العربي, فيتم تضخيم نشاط عربي روتيني كانعقاد اجتماع القمة, ووضعه في سياق غير سياقه, ليرهن نجاحه أو فشله بانتخاب رئيس للبنان, وكأن القمم العربية السابقة كانت ناجحة وفعالة في إيجاد حلول للقضايا العربية المصيرية التي ظلت تعاني من الافتقار الى الحد الأدنى من المواقف الموحدة, ولا نقول التضامن العربي, كونه لا يتحقق إلا عندما يكون المطلوب نسج غطاء عربي يظلل الاستباحة الأميركية للمنطقة, بزعم أن «السياسة كده» حسب تعبير ميادة حناوي «هي الليالي كده طبع الليالي كده». ولأن السياسة العربية مظلمة مثل الليل وتتحمل التعليك الممجوج, فلا يستغرب تغاضي فطاحل السياسيين العرب عن المآسي والمجازر التي ترتكب في غزة, ولا عن التوغل التركي شمال العراق, وسواها من أحداث أخطر من انتخاب رئيس في لبنان أو عقد مؤتمر قمة عربية. لكن بما أن قدر الإعلام أن يكون صدى للسياسة, لا مناص من بقاء قمة دمشق وانتخاب رئيس للبنان «جمل» تحال إليه حبكة قصصنا الإخبارية إلى أن يُصنع حدث بديل يأتينا بـ «جمل» جديد يضاف إلى القافلة الهرمة لقضايانا المصيرية.

مصادر
الكفاح العربي(لبنان)