حقا إنها صورة مرعبة... فعندما ينتقل شخص ما بين أشلاء بشرية يحاول أن يلقنها الشهادة نعرف أن "رعبا" ينشر الموت لكنه لا يستقر في شوارع غزة بل في البيان الذي صدر في رام الله عن وزير الإعلام الفلسطيني الذي أدان ولكنه!! دعا حماس لتحمل مسؤولياتها!!!

هل يفترض بنا أن نصدق أن الحرب ضد أطفال "غزة" تحتمل وجهين، فالحديث عن "مسؤوليات" اليوم هو جدل مخادع يذكرنا بما حدث خلال حرب تموز، والخطاب السياسي لا يحتمل أي افتراضات جديدة لأن المسألة في هذه اللحظة يجب أن تركز على مسألة الحقوق، بغض النظر عن عجز مجلس الأمن، أو طلب المملكة السعودية من رعاياها في لبنان الخروج بأسرع وقت ممكن، فالواضح أن الارتباط الشرق أوسطي يعيدنا إلى نقطة البداية في المسألة الفلسطينية التي بقيت مساحة تنطلق منها كل الأحداث.

فالدم الحار الذي شاهده العالم على الفضائيات هو نفسه الذي سال على الدوام بغض النظر عن موقعه الجغرافي، وهو وحده الباقي صورة تلخص طبيعة الصراع، فرغم أنه لم يستطع نقل التفكير السياسي الرسمي نحو نقطة جديدة، لكنه على الأقل يقنعنا بأن مسألة "سد الذرائع" التي انطلقت منها المبادرة العربية للسلام، لم تعد مجدية، ففي غزة والضفة هناك حرب مستمرة ومفتوحة على كل الاحتمالات، وتناقض بصورتها كل أشكال التفكير السياسي الذي يحاول فرض نفسه منذ1 أكثر من عشر سنوات:

- فأمام الحديث عن دولتين هناك تجريد كامل لكل ما يمكن ان تقوم عليه الدولة، سواء عبر تشتيت المؤسسات، أو رسم بنية الشعب الفلسطيني على أنه تيارات متنافرة.

- وفي مواجهة "الشرق الأوسط الجديد"، ومن قبله "الشرق الأوسط الكبير"، ومشاريع "أنابيب السلام" هناك ثقافة الجدران التي بدأت بجدار الفصل في فلسطين وانتقلت باتجاه بغداد، ثم ظهر مشروع الجدار بين السعودية والعراق، والتفكير بجعل الجغرافية حصونا مايزال مستمرا.

- "المبادرة" العربية التي يوحي اسمها بالنوايا الحسنة لم تخلف سوى ثقافة هلامية لا تعرف "إستراتيجية" واضحة. فمنذ ان انطلقت هذه المبادرة وطيفها الثقافي ينسحب معها عبر صراعات يتم رسمها بشكل خاص، وتأخذ شكلا مذهبيا أو اثنيا أو طائفيا. والغريب في هذه المبادرة أن تحتمل كل الضغوط كي يجتمع الموقف السياسي عليها، لكنها في نفس الوقت تشبه "طروحات الفلاسفة" لأنها في النهاية مجرد تنظير.

إنها صور سياسية مرعبة، لأن المقاومة باللحم الحي نعرفها واعتدنا عليها وهي سلاحنا الوحيد منذ كفر قاسم ودير ياسين مرورا بمذابح بيروت وقتلى "الفاكهاني" وصولا إلى غزة والضفة... لكن "بداوة" السياسية هي التي ترعبنا وتقلقنا لأنها "المحرقة" الحقيقية لكل أشكال المقاومة....