رغم أن أحداث غزة ظهرت وكأنها تسرق الحدث الشرق أوسطي، لكنها في نفس الوقت أعادت سلسلة من الترابط الذي يجعل التصعيد في المنطقة على مسار واحد، فالمسألة "الإنسانية" في غزة، والاعتداء الإسرائيلي الذي استطاع خطف الأبصار بدمويته لم يكن بعيدا عن الاحتمالات الإستراتيجية التي ستسبق الصراع على الرئاسة في الولايات المتحدة.

عمليا فإن ما يحدث ليس تحريك أساطيل باتجاه المنطقة، بل هو استباق لما يمكن أن يحدث داخل الميزان السياسي الخاص، على الأخص أن هناك ثلاث أمور مترافقة يجمعها نوع من التجاذب حول الحلول السياسية المفقودة أصلا، فعندما تم ضرب غزة كان الغرض التعامل مع نموذج وليس مع فاعلية الصواريخ التي تطلقها حماس، والتصلب تجاه قمة دمشق هو أيضا محاولة لتحقيق كسب استراتيجي في مواجهة "نفس النموذج" الذي لم يسقط بفعل تداعيات الحدث الأمريكي بعد احتلال العراق، وأخيرا فإن وجود قطع من الأسطول السادس الأمريكي هدفها تحريك الواقع السياسي لبنانيا وإقليميا لمحاصرة طرف لصالح طرف آخر.

بالطبع فإن "كول" تستطيع وفق تقارير سابقة التعامل مع إنزال أمريكي على سواحل لبنان، وهو أمر درسه سابقا الجنرال ويليام فولون، لكنه وفق نفس التقارير لا يرى أن مثل هذا الإجراء مفيد في لحظات الراهنة.... في نفس الوقت فإن الاحتمال الثاني حول المشاركة في "حصار حماس" ربما يكون بعيدا في ظل الواقع الفلسطيني وطبيعة الاعتداءات التي تقوم بها إسرائيل يوميا، وفي النهاية فإن مهمة "كول" بقيت ووفق التصريحات الأمريكية موجهة ضد سورية.

وإذا كان المشهد السياسي العام لا يوحي بإمكانية خوض حرب أو ضربات أمريكية خاطفة ضد دمشق، فإن واشنطن تعرف أن التداعيات السياسية اليوم وصلت لذروة الأزمة، وأن أي حدث إضافي ربما يشعل فتيل التصعيد والمعارك، فرائحة الحرب التي بدأت في غزة ثم زيارة كوندليزا رايس للمنطقة هي في النهاية بعيدة عن أي انفراج.

فالاحتمالات اليوم سواء كانت سياسية أو عسكرية لا تحمل بالنسبة لإدارة بوش وبالتالي لمرشح الرئاسة القادم "ماكين" فرصا لرسم تنازلات، أو لوضع تسويات مؤقتة تسمح بزيادة فرص نجاحها، لذلك فإن التواجد العسكري الأمريكي يشكل "إضافة إستراتيجية" لمعطيات التعامل مع المنطقة، ليس فقط من باب فتح احتمال الحرب، بل أيضا لتكريس "سياسة الاعتدال" التي تفترض اليوم أنها معنية بالضغط السياسي فقط، وأما التداعيات القادمة فمن الممكن أن يتحملها الحليف الاستراتيجي سواء عسكريا بتواجده المكثف، أو سياسيا عبر قرارات مجلس الأمن المتلاحقة.

ربما تبدو غزة بحرائقها صورة واحدة فقط لتداعيات الضغط السياسي، أو مناصرة طرف داخلي ضد آخر، لكنها في النهاية جزء الأحداث التي لا يمكن حصرها بجغرافية ضيقة حتى ولو كان الجيش الإسرائيلي يطبق على جهاتها الأربع