«ليست سوى مسألة وقت قبل أن تجلس الولايات المتحدة وجمهورية إيران الاسلامية لبدء مفاوضات جدية». الكلام للسفير الاميركي السابق في موريتانيا، جون ليمبرت (أحد رهائن السفارة الاميركية في طهران بين عامي 1979 و1981)، الذي عرض في مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي» الاميركية، مقاربته حول «كيفية إرشاد» العدوين العنيدين إلى ميناء التفاهم. »عاجلاً أم آجلاً»، يقول ليمبرت، سيجلس الايرانيون والاميركيون معاً للتفاوض حول قضايا خلافاتهم، في العراق، أفغانستان، الارهاب، البرامج النووية، سلام الشرق الاوسط، الضمانات الامنية وحقوق الانسان. وذلك بعدما بلغ الامر بعدم الثقة المتبادلة حداً، باتت معه أية مقاربة يبادر إليها أحد الطرفين تقابل من الطرف الآخر بالتراجع، مفــترضاً سوء النية في الاول. طوال السنوات الثلاثين الاخيرة، وفي ما خلا استثناءات محدودة، فضّل هذان الحليفان السابقان التواصل عبر تسجيل المواقف، تبادل الاهانات، التهديد، الوعظ، واللجوء إلى العنف في المناسبات. والآن، متى أدرك الاميركيون والايرانيون أن كلا من الجانبين لديه الكثير لاكتسابه من حوار جدي، فيجب عليهما توخي الواقعية في التوقعات، وتفهم أن التقدم سيكون بطيئاً. ذلك أنه ليس هناك طريق هين لـ«صفقة كبرى». وفي أية مفاوضات، من الافضل ترك الافكار المسبقة السلبية عن الآخر عند عتبة الباب، لأن من شأن أي تصور بأن شركاءك في المحادثات هم غير عقلانيين، عنيدون، محتالون، أن يدفعهم ـ متى قرأوا تصورك هذا ـ إلى تلبية هذه الافكار. ليس على إيران والولايات المتحدة، اليوم، أن تعجبا الواحدة بالاخرى لإيجاد فرص تفاهم. بل يجب أن تفصلا بين ما تضمرانه من عداء ومصالح، وألا تتركا لنفور أو كره أن يظلّل حكمهما حول ما هو ممكن ومفيد. يجب أيضاً إدراك (والحذر من) التاريخ. ففيما يُعرف الاميركيون باستخفافهم بوقائع التاريخ، يميل الايرانيون إلى تبجيل تاريخهم، رغم أن القرون الثلاثة الاخيرة لم تحمل لهم سوى سلسلة من الهزائم والإذلال وخسارة الأراضي. وقد لاحظ الكثير من المحللين أن الهدف الذي يوجّه السياسة الخارجية لإيران، يكمن في إحراز «الاحترام» الجدير بحجمها، وكثافتها السكانية، وثرواتها، ومجدها التاريخي. نتيجة لذلك، قد يلبس الجانب الايراني، في أية عملية مفاوضات، مظهراً يخلط فيه العظمة بالضيم. ويجب على كل من يتفاوض مع إيران أن يتحضّر للتعامل مع هذين العنصرين، مراعاة لانتصاراتها الثقافية والسياسية، وللفكرة الايرانية اللاواعية بأن الخيانات التي لحقت بها في ما مضى قد تتكرر عندما تتسنى للدخلاء الفرصة المؤاتية. ولم تفلح شعارات أميركية مثل «محور الشر» و«تغيير النظام» سوى في تثبيت الشكوك الايرانية بأن الحكومة الاميركية أخذت على عاتقها التخلص من الجمهورية الاسلامية، أو على الاقل تجريدها من حقوقها. يجب تقدير الذكاء الايراني، يقول ليمبرت. سيكون المفاوضون الايرانيون أذكياء بما يكفي لرصد الكذب والرياء لدى مفاوضيهم، وإدراك الاستخفاف الضمني لمحاورهم. ولن يفيد هذا الاستخفاف سوى في توسيع هوة عدم الثقة.

مصادر
السفير (لبنان)