فقدت القمم العربية مصداقيّتها منذ زمن طويل، بل أكثر من ذلك، تحوّلت إلى مناسبة للتندّر عند العموم، ولإثبات العجز وغياب الإرادة السياسيّين، وتأكيد التبعية لـ«الأجندة» الإقليميّة المحدّدة أميركياً، وفي بعض الأحيان، إسرائيليّاً. وإذا كانت القمم العربية، والمؤسّسة المعبّرة عنها (جامعة الدول العربية)، هما التعبيران المباشران عن عدم الرغبة الرسمية أساساً بمشروع تحرّري وحدوي (بالضرورة) ، وتتويجاً للتفتيت القطري، (فلولا التفتيت والانقسام لما كان هناك زعماء يجتمعون في قمّة أصلاً! ولما كانت هناك جامعة لدول عربية!)، إلا أنّ هاتين المنظومتين لا تحقّقان حتى الحدّ الأدنى الذي يكفل حفظ ماء الوجه (ولا نقول الكرامة) للدول الأعضاء ولشعوبها.ويسطع مثال العدوان الصهيوني الأخير على لبنان كمثل عن هذه المسألة، حيث عجزت جامعة الدول العربية وقمّتها ليس فقط عن التحرك لمواجهة العدوان أو إيقافه، بل كان أن تواطأ كثيرون مع العدوان الصهيوني ذاته، وكأنّ اتفاقيات في مقدّمتها اتفاقية الدفاع العربي المشترك، موجودة فقط لدرء العين وتبرئة الذمّة المعنوية وذرّ الرماد في العيون. الأمر الوحيد المتفق عليه في منظومتي القمة العربية وجامعة دولها، هو القمع وتقييد الرأي الآخر وإهدار الحريات، فبالإضافة إلى ما يعرفه الجميع عن انعدام الاتفاق إلا في نطاق اجتماعات وزراء الداخلية العرب، ها هم وزراء الإعلام العرب يتركون كل الملفّات الكبرى ليستنفروا في وجه الفضائيات العربية، وينضمّوا إلى نظرائهم في الداخلية إلى خانة الاتفاق، لا على مواجهة الأخطار والتحديات الخارجية (الهائلة في كمّها ونوعها)، بل على مواجهة خطر «الداخل». إذاً، القمة العربية بشكلها العام، تمثّل غطاءً للتوجهات الرسمية العربية (توجّهات الأنظمة)، وهذه بمجملها تابعة أو موظفة في المشروع الأميركي ـ الصهيوني، والاستثناءات القليلة التي قد تمثّلها مواقف تصدر عن ليبيا أو سوريا في بعض الملفّات، لا تستطيع إلغاء التيار الجارف الذي تدفع به الأنظمة العربية الأخرى في ظل غياب شامل لمشروع عربي استراتيجي من أي نوع (تحرري أو غيره!)، وغياب كامل لمركز عربي قوي ومؤثّر إقليمياً ودولياً، مثّلته مصر في الخمسينيات والستينيات، والعراق في الثمانينيات، في حين اختفى المركز المؤثّر تماماً في المشهد السياسي العربي الحالي (مهما كان هذا المركز). في ما يتعلّق بقمّة دمشق المقبلة، ينبغي الالتفات إلى مسألة مغايرة قليلاً، وهي أنها تعدّ واحداً من الصراعات السياسية التي تدور حالياً بين المحورين الإقليميين النافذين في المنطقة: المحور الأميركي ـ الإسرائيلي ويشمل كلاً من السعودية ومصر والأردن وسلطة محمود عباس في الضفة ومجموعة 14 آذار (الموالاة) في لبنان وحكومة العراق، ومن جهة ثانية هناك المحور الإيراني الذي يضمّ، إضافة إلى ايران، كلاً من سوريا، مضافاً إليها حزب الله والمعارضة في لبنان و«حماس» في غزة، وحكومة العراق أيضاً. الصراع بين هذين المحورين متشابك، ويحوي داخله الكثير من التناقضات بغرض الإمساك بأكبر قدر من الأوراق الإقليمية، للتحكّم بالصراع ومن ثم الانتصار فيه. فالولايات المتحدة، بعد أن احتلّت العراق (مدخلةً معها الفصائل الطائفية الشيعية كذراع يمنى)، وعملت على تفتيته طائفياً، أضحت تدعم إنشاء ميليشيات سنّية مسلّحة (الصحوات) تابعة لها، للإبقاء على التوازن، بعد أن اكتشفت حجم النفوذ الإيراني لدى الفصائل الشيعية. والأردن الرسمي مثلاً، يدعم مثل هذا التوجه من خلال التغاضي المحدود عن نشاط عراقي سياسي معادٍ للاحتلال، شرط أن يكون معادياً لإيران وحزب الله على الدرجة نفسها. على الرغم من أن الأردن الرسمي كان وما يزال الشريك الأكبر في تدريب الشرطة والجيش العراقيين «الجديدين»، وهما كما يعرف الجميع أدوات في خدمة الأحزاب الطائفية. أمّا إيران التي تدعو إلى زوال «الشيطان الأكبر»، وزوال إسرائيل، وتدعم المقاومات في فلسطين ولبنان، فلا يجد رئيسها محمود أحمدي نجاد حرجاً في الاجتماع مع الحكومة التي نصّبها الاحتلال في العراق، ومباركتها (ومباركاً من خلالها الاحتلال نفسه الذي أتى بها أصلاً، الاحتلال الذي يشجبه!)، والاجتماع برموزها داخل المنطقة الخضراء الخاضعة بالكامل للسيطرة الأميركية. كل هذه المتناقضات الظاهرية هي في الواقع محاولة للإمساك بأكبر قدر من الأوراق الرابحة في اللعبة الإقليمية، وقمّة دمشق، والجدل الدائر حولها، هي محض تعبيرات صغيرة عن هذا الصراع الإقليمي الأكبر، والتجاذب القائم بين محوريه. ـ إنّ الخاسر الأكبر والغائب الأكبر، في هذه القمة هو العراق وقضيته، فمن جهة، تراجعت أولوية هذا الملف تماماً في ظلّ بروز نوايا لتسويات إيرانية ـ أميركية في هذا الملف، وفي ظلّ اعتراف رسمي للأنظمة العربية وجامعتها بالحكومة والعملية السياسية العميلتين بالكامل للاحتلال. ومن جهة ثانية، نجح الاحتلال في تحويل الدم المسفوح يومياً في العراق إلى «عادة»، ومسألة بلا قيمة على «الأجندة» الرسمية العربية والدولية، وخبر عابر في نشرات الأخبار. كما نجح الاحتلال في التعمية على أنشطة المقاومة العراقية، وخلط الأوراق إعلامياً عن تنظيماتها ونشاطها وبرامجها. ـ الخاسر الثاني هم مواطنو غزة الذين يُقصف عمرهم يومياً بلا كلل (قتل، قصف، تجويع، حصار...)، منذ أن قرّر النظام الرسمي العربي والعالمي اعتبارهم زائدة دودية ملتهبة على الكرة الأرضية ينبغي استئصالها. ـ في المركز الخاسر الثالث يأتي عموم مواطني الأقطار العربية الذين أصبحوا مجاميع للسمسرة والبيع والتجيير، من خصخصة إلى رفع أسعار إلى بيع الموارد والمقدرات، كما أصبحوا أهدافاً لغسل دماغ يومي لإقناعهم بأبدية وهمية لهوياتهم القطرية (ومن ثم الطائفية والإثنية والمناطقية والعشائرية...) المزوّرة وشرعيتها، ولا جدوى من الحديث عن مشاريع تحرّر أو غيرها من تلك الخطابات «الديناصورية»، وإدخالهم قسراً إلى الشرق الأوسط الأميركي الجديد. كذلك يجب أن نقول: إنّ العدو الأساسي والأوّل هو الولايات المتحدة وإسرائيل. فيجب أن لا تلتبس علينا الأمور في هذه المسألة، ويجب أن لا يغيب عنا أن جزءاً كبيراً من الحملة على قمّة دمشق، هو محاولة تكسير المقاومات في لبنان وفلسطين، ودعم المشاريع التصفوية و«الصديقة» (سلطة عباس، و14 آذار، وحكومة العراق)، وتحييد سوريا في الصراع الإقليمي، ودعم مشروع «محور الاعتدال العربي» الذي يواجه بالوكالة مشروع المقاومة والمشروع الإيراني في الوقت ذاته. «ليش القمة، القمة ليش... بدل القمة هاتو جيش». هذا الهتاف الشهير في تظاهرات عمّان يلخّص مسألة القمم العربية ببراعة: ففي غياب مشروع عربي تحرري استراتيجي يملك مقوّمات قيامه الموضوعية والمادية، وفي ظل غياب الإرادة السياسية للبدء بالتهيئة لمشروع كهذا، تصبح القمة عبثية بالكامل، وعبئاً ثقيلاً على ضمائر الناس، وفي أحسن أحوالها، تتحوّل إلى مكان لتجاذبات سياسية لا علاقة لها بواقعهم وما يقع عليهم من عسف وظلم وقمع واحتلال.