ما زال تحدي الأمية عائقا امام الجهود الوطنية التنموية في الدول العربية. ولم تعد الأمية مشكلة «تعليمية» فحسب، بل غدت قضية تندرج في اطار التنمية الاجتماعية والاقتصادية. وخصوصاً ان المنطقة تواجه نسقاً مركباً من الأميات في القراءة والكتابة والتكنولوجيا والوعي البيئي والثقافة والاعلام والصحة. ولكن تبقى اجراءات محو الأمية في حالات الأزمات وما بعد النزاعات والطوارئ من الأولويات لحماية المنظومة التربوية. اذ يؤدي اندلاع نزاع من هنا، او حصول كارثة طبيعية من هناك، الى وقف الانتفاع بالتعليم، ويحول وفقاً للحالة الأمنية السائدة دون اكتساب شرائح كاملة للعلم. ينفرد الفلسطينيون بغربتهم حيث تسنى للشعب الفلسطيني التعامل مع الأزمات المستمرة بالاعتماد على موارده الخاصة ومرونة مجتمعه وثقافته. وقد كانت الحاجة هناك ام الابتكار، اذ يؤكد المدير العام للملتقى التربوي العربي في فلسطين الدكتور منير فاشة «أن الوضع في الأرض الفلسطينية كان السبب لكي نعيد التفكير بمبادئ محو الأمية بأشكالها المختلفة والتي اضطلعت بدور أساسي خلال الأزمات التي شهدناها اوائل السبعينيات من القرن الماضي. كما ان نسب الأمية والتسرب المدرسي من أقل النسب في الوطن العربي رغم الحواجز الأمنية، والسبب امتلاك التحدي في الوصول الى العلم. كما اننا تجاوزنا محو الأمية الابجدية الى مواجهة اشكال أخرى كأمية التعرف الى الدول المجاورة، حيث ننظم كمنتدى رحلات ثقافية للشباب. كنا نطلب منهم تأليف كلمات ومعان نابعة من خبراتهم لفهم الحياة». وفي العراق تعرض النظام التربوي لأضرار ضخمة ناتجة عن سلسلة الأحداث التي عاشتها البلاد منذ عام 1980 فبعدما كان المنهج التعليمي العراقي من أهم المناهج في الشرق الأوسط في أوائل الثمانينيات بات مستوى التعليم اليوم لا يتجاوز الـ 74 بالمئة فيما تصل معرفة القراءة والكتابة لدى النساء الى 64 بالمئة. ويشير ممثل منظمة اليونيسيف في العراق الى ان الحالة التي خيمت على البلاد في السنوات السابقة دفعت قسماً كبيراً من التلامذة للتوقف عن الدراسة. ما أدى الى افتقار المراهقين الى القدرات التعليمية التي يكتسبونها في الصفوف الابتدائية. لذا يسعى برنامج التعليم المسرع الذي تطبقه وزارة التربية العراقية منذ عام 2004 بالتعاون مع الأمم المتحدة الى توفير الفرص التعليمية للمراهقين المتسربين كي يتمكنوا من انهاء المرحلة الابتدائية خلال ثلاث سنوات بدلا من ست وقد التحق بالبرنامج 16 ألف طالب. وبما ان العراق يعتبر واحداً من 35 دولة مشاركة في مبادرة محو الأمية للتمكين (لايف) فإن منظمة التربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) توليه أهمية خاصة بهدف الاستجابة لحاجات البلد وأولوياته الخاصة. ويقترح مندوب اليونسكو قطب خان التشديد على توفير التعليم الأساسي. وخفض العبء المالي للأقساط المدرسية، ومعالجة الممارسات التي تعرقل مواجهة أزمة عمل الاطفال وحل مشكلة الاستبعاد من جذورها عبر تطبيق استراتيجيات اجتماعية. اما في السودان فلا يحظى الا بالنزر اليسير من الاهتمام، فالجزء الأكبر من الميزانية يصرف على اعادة الاعمار. ويقدم وزير التعليم العام السوداني حامد محمد ابراهيم مقاربة سياسية للواقع التعليمي السوداني فيقول ان السودان كان سباقاً في مجال تصدير المعلمين والخبراء والتجارب التعليمية لاشقائه العرب والافارقة ولكن منذ عام 1970 اصيب السودان بكوارث الجفاف والتصحر في كثير من مساحاته. كذلك قضت الحرب في الجنوب على البنى التحتية في المدن والأرياف. وتبقى القدرات الوطنية التي يتوقع منها مراقبة وتقويم برامج محو الأمية وتعليم الكبار ضعيفة. فيما تتمتع المنظمات غير الحكومية بخبرات افضل في هذا السياق. ما يساعد الدولة على الاستفادة من الممارسات التي أثبتت فعاليتها، على المستوى المحلي. وقد أدت الأحداث في جنوب السودان الى اغلاق اكثر من 600 مدرسة، وأصبحت بحاجة الى إعادة البناء. أما في اليمن الذي شهد الكثير من الانقلابات والتدخلات الخارجية في شؤونه، كما الخلافات والمناوشات على ما بقي من جهد نحو تحقيق التنمية المنشودة. لذا يرى وزير التربية في الجمهورية اليمينة عبد السلام الجوفي ان الأمية في اليمن هي نتاج طبيعي لوضع البلد ما قبل .1962 حيث لم يكن هناك أي نظام تعليمي، وبرامج تخدم البلد وتحض على التعلم. الا انه بعد تحقيق الوحدة بين الشمال والجنوب في عام ,1990 ثم الحد من الأمية من خلال توسيع برامج التعليم الأساسي واستحداث جهاز محو الأمية وتعليم الكبار وقد انخفضت الأمية من 50 بالمئة في التسعينات الى 45 بالمئة، فيما وصلت النسبة الى 20 بالمئة في بعض المحافظات. وتسعى الحكومة حالياً الى تشجيع الانخراط في التعليم وتوفير مدرسات في المناطق الريفية. لا بد من الإشارة هنا الى ان الدراسات والتقارير الصادرة عن الهيئات المالية العربية، تسجل ارتفاعاً ملموساً في عدد المستفيدين من الخدمات الاجتماعية. ويستدل على ذلك من التطور الايجابي لعدد من المؤشرات الاجتماعية ومن أهمها معدلات القراءة بين البالغين والشباب فضلاً عن معدلات الالتحاق بمراحل التعليم المختلفة، وفرص النفاذ لتكنولوجيا المعلومات ومتوسط العمر المتوقع. كما تشير التقارير الى تحسن في مستويات التعليم والصحة. وكان لذلك بالغ الأثر في تطور الانتاجية ونوعية حياة السكان (350 مليون) عربي في عام 2007 وفي جوانب اقتصادية واجتماعية مختلفة. وعلى الرغم من تلك التطورات الاجتماعية الحاصلة في الدول العربية خلال العقود الثلاثة الماضية. بيد ان أزمات حقيقية ما زالت ظاهرة للعلن فيها تهدد الانجازات المشار اليها، ومن تلك الأزمات انتشار وتوسع ظاهرة الفقر والبطالة والأمية. وفي هذا السياق تعتبر ظاهرة الأمية الآخذة بالتفاقم بفعل معوقات التعليم والارتفاع الكبير في مجموع السكان من المشكلات المستعصية في الدول العربية. حيث سعت غالبية الدول الى الحد من اتساع تلك الظاهرة، لكن ببطء شديد. ويشار الى ان نصف الاناث العربيات البالغات ونحو ربع الاناث الشابات هن من الأميات. كما تشير الدراسات الى ان معدل الأمية بين البالغين في الدول العربية بقيت بحدود 36 بالمئة خلال عامي 2005 و2006 في حين سجل مؤشر الأمية بين الشباب العربي بشكل عام نحو 19 بالمئة. وتتفاوت المعدلات بين دولة عربية وأخرى. والملاحظ في غالبية التقارير العربية ارتفاع معدلات الأمية لدى الاناث مقارنة بالذكور في غالبية الدول العربية. وتوجد أكبر فجوة للنوع الاجتماعي في كل من المغرب وموريتانيا واليمن، حيث يوجد خمس اناث بالغات مقابل عشرة ذكور بالغين ملمين بها. وعموماً يوجد معظم الأميين في الأرياف العربية التي تستحوذ على النسبة الأكبر من مجموع السكان في الوطن العربي. وعلى سبيل المثال لا الحصر تبلغ نسبة الأميين من الشباب في الريف ضعفي ما هي عليه في المدن في كل من الجزائر والمغرب وتونس. وبعد.. كيف يصير محو الأمية هدفاً مركزياً على كافة المستويات، وكيف يتحول الى برامج تنفيذية؟ والمنطق يقول ان لا تنمية اقتصادية مع الأمية، ولا تنمية اجتماعية وتكنولوجية من دون القضاء على الأمية. يجب علينا في هذا الاطار ان نفيد من المنظمات الدولية والاقليمية المتخصصة في محو الأمية. وتضطلع الأمم المتحدة بدور رائد ولها خبرات متراكمة في هذا المضمار بعدما حققت نجاحات في عدد من مناطق العالم النامي.

مصادر
السفير (لبنان)