ما يفصلنا عن القمة ليس عداً تنازلياً أو حتى صورة تقليدية لحدث أصبح يتكرر سنوياً في عواصم العالم العربي، لأن الأيام الفاصلة ربما تكشف رؤية جديدة متعلقة على الأقل بمكان انعقاد القمة الذي أثار جدلاً مختلطاً ما بين السياسة والتقارير الإعلامية، وكان واضحاً أن الأدوار الإقليمية لعبت دوراً جديداً يتجاوز مسألة «التوافق العربي»، ودخلت فيما يمكن اعتباره استيعاباً للأزمات.

عملياً فإن النشاط الدبلوماسي جعل من قمة دمشق ساحة للاحتمالات، لأن النظام العربي وضعها خارج الإطار الاستراتيجي المتوقع لها، ويبدو أن هذا التكتيك بدأ منذ أن أصبحت «القمة» سنوية، فغدت شكلاً للضغط السياسي أو حتى لتثبيت آلية تكرس الواقع الذي حصل منذ حرب الخليج الثانية عام 1991.

فقراءة التحرك السياسي الذي رافق الحديث عن القمة حمل منذ البداية ربطاً لانعقاد القمة بأزمة الرئاسة في لبنان، وهذا الأمر وإن كان يحمل في ظاهره نوعاً من التجاذب الإقليمي لكنه يقع في مساحة أخرى مرتبطة بشكل أو بآخر بصورة الشرق الأوسط بعد أن «انحسر» دور النظام العربي في التأثير المباشر على مسار الحدث. فالخلاف في لبنان وبغض النظر عن أطرافه لم يتطور وفق تعامل عربي أو حتى إقليمي، ومعظم تفاعلات الحدث اللبناني ارتبطت بقرارات صدرت عن مجلس الأمن، أو بحروب واعتداءات شنتها إسرائيل.

في الصورة الأولى لقمة دمشق هناك مساحة خلافية تحاول جملة من الأطراف التعامل معها، أو حتى استخدام «القمة» لتركيب جدول أعمال منجز سلفاً، وربما رسم سيناريوهات تجمع العواصم الثلاث الأساسية: دمشق والرياض والقاهرة، على خط التوافق أو التناقض، ووفق هذا الأمر فهناك «عمليات» مصالحة يمكن أن تتم، لكن سوريا استبقت التوقع الإعلامي وبدأت بتوجيه الدعوات، فهل يعني هذا التحرك تحقيق انعقاد القمة؟

السؤال الملتبس هنا هو «غاية» القمة وليس انعقادها، فعندما تم إقرار مسألة دورية انعقادها كان من المتوقع أن تساهم في تحقيق توازن عربي أفضل، لكن ما حصل كان عكس ذلك، فالقمم العربية المتلاحقة كانت عاجزة عن معالجة مسائل مهمة وطارئة، مثل الانتفاضة الثانية واحتلال العراق وأخيراً حرب تموز، وربما أكثر من ذلك فحرب تموز أوقفت انعقاد القمة العربية.

لكن من يربط القمة بمحور «دمشق ـ الرياض ـ القاهرة» فإنه يستند أساساً لشكل استراتيجي قديم، فالمسألة اليوم أعقد من حسابات التوازن التي اختلت بشكل قوي بعد احتلال العراق، وأصبح البيت الأبيض موجوداً في التحضير لمثل هذا الاجتماع العربي الكبير، فالولايات المتحدة لم تعد مسؤولة عن «أمن حلفائها» كما كان سابقاً خلال الحرب الباردة، إنما هي معنية أيضاً بأمن مواطنيها الذين نشرتهم باللباس العسكري في العراق، أو الموجودين ضمن القواعد العسكرية والقطع البحرية.

وربما نستطيع قراءة مسألة المشاركة بالقمة ليس فقط نتيجة التباين بالمواقف السياسية بل لأن إرباك السياسة الدولية بلغ أوجه قبيل الانتخابات الأميركية، على الأخص أن الاستراتيجية الأميركية المعلنة منذ عامين على الأقل لم تستطع تنفيذ أجندتها الخاصة، وبالتالي فإن الأسئلة الكبيرة التي تواجه الإدارة الأميركية الحالية ترتبط بشكل أو بآخر بالشرق الأوسط الذي يستوعب حجماً ضخماً من السياسة والعمل العسكري الأميركي.

وفق هذه الصورة فإننا نواجه «حملات إعلامية» تضعنا أمام مشهد سياسي لا يمنح القمة فرصة لتحليل الأزمات، وما يحدث على الساحة العربية لا يمكن تلخيصه بخلافات عربية، فالواضح أن الاستراتيجية الدولية التي تبدلت كلياً بشأن الشرق الأوسط شكلت «جغرافية تناقض» في النظر إلى معظم المسائل التي ينتظر النظام العربي حسمها في قمة دمشق. عملياً فمن غير المتوقع تحقيق خرق سياسي في مساحة الأزمات العربية الموجودة، سواء قبل القمة أو بعدها، إلا أن المؤشرات التي حملها اجتماع وزراء الخارجية العرب، وما سبقه أيضاً من تحركات دبلوماسية تبين:

- أن قمة دمشق وحتى اللحظة لا تسير على أجندة اعتيادية، وسخونة المواقف والأزمات التي يمكن أن تدخل على جدول أعمالها تضعها في صلب التفكير الدولي تجاه سوريا فينظر إليها على أنها «مكسب سوري»، وبالتالي لا بد من التعامل معه وفق نفس آليات الضغط السياسي التي مورست سابقاً على دمشق.

- الزمن المتاح لانعقاد القمة بشروط «انفراج عربي» يبدو ضيقاً، فهناك تسريع للأحداث في منطقة الخلاف الأساسية، ويمكن اعتبار التقارير التي يتم تسريبها إلى الإعلام على أنها صراع من نوع آخر حول الأولويات السياسية داخل النظام العربي. لكن الغريب هنا أن كافة التقارير تراهن على الزمن الخاص للمرحلة القادمة، أي إحداث تغيير إما على الساحة الإسرائيلية أو على الساحة الأميركية.

ـ التطورات السياسية الأخيرة بدءاً من أحداث غزة تبين أن انعقاد القمة ليس أزمة بذاتها، بل مأزق الإستراتيجية الدولية الذي يدخل الأجندة العربية في مجال من الفوضى، حيث كان من المنتظر أن يترك مؤتمر أنابوليس بصمات واضحة ضمن قمة دمشق، لكنه بقي على هامش الحدث السياسي الذي تطور بشكل معاكس لما أعلن على الأقل في أنابوليس.

واتضح أن التوقعات المتفائلة حول آليات أميركية جديدة للتعامل مع أزمات المنطقة لم تكن تستند إلى معطيات واقعية، وأنها تأثرت بشكل هذا المؤتمر الذي لم يقدم سوى دعم سياسي للجمهوريين قبيل انطلاق الانتخابات الفرعية الأميركية.

حتى في الشكل الذي ظهر مؤخراً بعد اجتماعات القاهرة فإن «قمة دمشق» عبرت أكثر من أي قمة أخرى عن مأزق النظام العربي بعد عملية التشتيت التي خلفها احتلال العراق، فالمسألة لم تعد في العناوين العريضة القديمة مثل التنسيق أو التضامن العربيين.

لأن الصورة الحاضرة اليوم تظهر في اختلاف الأولويات الاستراتيجية بالنسبة للدول العربية بعد أن تشتت الخطر الذي كان «إسرائيلياً» وأصبح متعدد الوجوه ما بين احتلال مباشر، أو تغيير العدو ليستبدل بإيران أو ال«حرب ضد الإرهاب» وما تحمله هذه المقولة من التباس في السياسات داخل منطقة تتصاعد فيها الأزمات.

مصادر
البيان (الإمارات العربية المتحدة)