لم ينتظر زلماي خليل زاده قرار الحكومة اللبنانية عدم حضور قمة دمشق لإطلاق "قلقه" من تهريب الأسلحة عبر الحدود السورية – اللبنانية، لكن الحرب الاستباقية بدأت قبل أيام بشكل إعلامي مع الحديث عن "حشود" سورية"، علما أن تصريحات سابقة طالبت السوريين بتعزيز تواجدهم الأمني على تلك الحدود.

وتصريحات "زاده" على ما يبدو ليست بعيدة عن كل الآليات التي تحاول أن "توازي" قمة دمشق بما يوحي بأن هذا الحدث خارج عن سياق "الواقع" أو طبيعة الافتراق في النظام العربي، ورغم ان الوسائل الأمريكية باتت واضحة لكنها على ما يبدو فإن غايتاها تتشعب بشكل كبير، مع عدم القدرة على كسر حدة الأزمة التي وصلت إليها المنطقة بعد احتلال العراق.

عمليا فإن الولايات المتحدة تقوم اليوم بخطوتين أساسيتين ترافقتا مع موعد انعقاد القمة:

- الأولى هي جولة كوندليزا رايس إلى المنطقة في نفس موعد القمة، ورغم أن البعض يرى في هذا التحرك محاولة إعلامية للتركيز على زيارتها وإهمال تغطية حدث القمة، لكنه في نفس الوقت يريد أن يكرس "الصورة" الذهنية لاجتماع القادة في دمشق على أنه "لا يشكل" إجماعا عربيا. فرايس التي تريد جمع الفلسطينيين و "الإسرائيليين" على طاولة المفاوضات في نفس يوم القمة، هي في الواقع تقطع أي طريق آخر أمام القادة العرب لـ"سحب المبادرة" أو تعديلها.

- الثاني تصريحا خليل زاده حول السلام ما بين لبنان وسورية، وهو شأن وإن بدا "قديما"، لكنه يتزامن مع مواقف سياسية، وتسريبات من داخل "إسرائيل" عبر صحفها حول الاستعدادات العسكرية، فالتحضيرات للقمة شهدت عمليا أكبر موجة للحديث عن الحرب، في وقت مارست القطع الأمريكية "استعراضا" واضحا لدعم هذه الحملة، وتأتي أخيرا تصريحات "زاده" لتشكل "أزمة افتراضية" جديدة توحي بالتوتر وسط حركة سياسية نشطة باتجاه دمشق.

والواضح من التحرك الأمريكي أن تعتبر "قمة دمشق" معركة ليس على صعيد نجاحها أو فشلها، بل أيضا لتثبيت صورة سياسية لنوعية العمل العربي، التي تحاول الإدارة الأمريكية "حشره" ضمن تشكيلات يطلق عليها أحيانا "أحلاف" أو "معسكرات" أو حتى "محاور"، وبالطبع فإن الإخفاق لا يمس هنا العمل السياسي، أو محاولات التنسيق العربي في الأزمات، لأن ما يحدث هو استباق واضح لأي مراجعة سياسية، أو إتاحة الفرصة للتعامل مع معطيات سياسية ظهرت منذ احتلال العراق وحتى اليوم. فالولايات المتحدة تريد تجميد "الحدث" عند زمن واحد هو "انطلاق حربها ضد الإرهاب" وما نتج عنه من احتلال العراق، واختلال في التوازن الدولي أيضا.

الآلية السياسية الأمريكية كما يُعبر عنها تصريح "زاده" تظهرا قلقا واضحا من عدم "تجميد" الأمور بانتظار نهاية "السنة الانتخابية"، لأن القمة بالنسبة لها ليس بـ"التوصيات" أو القرارات إنما بطبيعة الحدث الذي كان من المفترض أن يؤجل أو ينقل لسبب واحد فقط هو تكريس الشكل المسبق للمنطقة كما أرادته الولايات المتحدة بعد احتلال العراق.