ما يدعو للاستغراب هو استمرار التصريحات حتى بعد انتهاء قمة دمشق، فإذا كان مفهوما التسابق السياسي في لبنان على "طرح" المواقف، فإن ما يترك إشارات الاستفهام هو ما تقوم به الإدارة الأمريكية في "التبرع" بالتصريحات، بحيث تدخل في سباق الحملات الإعلامية المشتعلة في الشرق الأوسط.

عمليا فإن وولش الذي يشغل موقع مساعد وزير الخارجية لم يكتف بوجود رايس بالمنطقة بل أعطى تصريحاته من "الدوحة" حول فشل قمة دمشق!! ورغم أن اعتبر سبب هذا "الإخفاق غياب زعماء كبار حسب تعبيره، لكن هناك مؤشرات أخرى لا بد ان تُقرأ من جديد في ضوء التصريحات الأمريكية، لأن الولايات المتحدة حاضرة وبكثافة غير مسبوغة في الشرق الأوسط قبيل القمة وبعدها، ومن الممكن ملاحظة:

- هناك مواجهة أمريكية على مشروع العلاقات العربية – العربية، فالمسألة بالنسبة للولايات المتحدة ليست "فشل أو نجاح" ولكنها تعامل دمشق بالذات مع موضوع هذه الخلافات، فهناك مقدمات واضحة حول هذا الملف يتم استباقه أمريكيا بوجود رايس وولش في المنطقة، لأن "الخلافات" ليس مواضيع شخصية لكنها مرتبطة بالملفات الأساسية حول لبنان وفلسطين والعراق.

- التعبير الأمريكي مازال متوقفا عند مرحلة ما قبل القمة، فهو يحال التعامل مع الهامش الذي تركته الضغوط السياسية، ويريد التذكير بشكل دائم بوقائع لم تعد مهمة بعد اجتماعات دمشق. ويبدو التكتيك الأمريكي مرتبط إلى حد بعيد باستكمال الأجندة السياسية المستعجلة قبيل الانتخابات الأمريكية، فهذه الإدارة تركت وراءها ملفات عالقة بشكل غير مسبوق من قبل.

- من الواضح أن الإدارة الأمريكية اليوم مهتمة بخلق تشابك جديد مع دول الشرق الأوسط تجعل من سياستها مرتبطة أكثر بطبيعة الأزمات بحيث يصعب على الإدارة الأمريكية الجديدة تجاوز المسائل العالقة بإستراتيجية غير تصعيديه.

بالطبع فإن المؤتمر الصحفي لديفيد وولش لم يكن يستطيع تجاوز الحديث عن قمة دمشق، لكنه أراد التعبير عن أن الدبلوماسية الأمريكية موجودة رغم انعقاد مؤتمر القمة في دمشق، وأن النظام العربي بشكل العام لا يمكن أن "يستقل" بالشكل الذي يتيح له فرض إرادته على قضاياه، لذلك فإن وولش نسب الفشل إلى "غياب زعماء" في وقت لم تقم الدبلوماسية العربية عموما بالحديث عن هذا الموضوع.

المسألة اليوم لم تعد بالحدث بذاته، وهو ما يجب تذكير وولش به، لأن المواجهة القائمة ستبقى على مدار عام كامل من خلال ملف العلاقات العربية – العربية والمحاور التي تثيرها عبر ملفات لبنان وفلسطين والعراق، فالتصعيد على ما يبدو لن يبقى دبلوماسيا بالنسبة للإدارة الأمريكية، وبوادره في العراق كانت توحي بأن الوسائل الأمريكية الممكنة تريد كسر "الإرادة" وليس فقط تطويعها لأنها في سباق حقيق مع الزمن.