لا يختلف مراقبان على أن تطور الأداء العسكري لكتائب الشهيد عزالدين القسام آخذ في التصاعد بصورة متسارعة أربكت حسابات العدو الصهيوني، وجعلت قادة جيش الاحتلال يعدّون للألف قبل أية عملية عسكرية يقدمون عليها. والمتابع للصحافة العبرية يوميا يرى حجم الجدل الذي يثار في أعقاب كل عملية عسكرية، سواء كانت بمبادرة من القسام أم ردا على عدوان هناك أو هناك. المحللون الصهاينة يشرّقون ويغرّبون في تحليلاتهم حول السر الكامن وراء هذا التطور في الأداء العسكري، فتارة ينسبون الفضل إلى إيران مستفيدين من التقارير المفبركة التي روّجها أكثر من مرة إعلام حركة فتح حول ذهاب عناصر من القسام للتدرب في إيران، وتارة أخرى يعكسون الصورة من خلال الادّعاء بأن خبراء إيرانيين قدموا إلى غزة (وكأن غزة تمتلك حدودا شاسعة مع إيران)، أو من خلال تهريب الأسلحة عبر الأنفاق على الحدود المصرية.. وإن قلة من المحللين نسبوا هذا التطور إلى الكتائب ذاتها من خلال تكثيف التدريب ومن خلال الخبرة الطويلة في مواجهة اجتياحات الاحتلال. في أعقاب عملية "نذير الانفجار" الأخيرة التي نفذتها القسام في معبر "كرم أبو سالم"، قال لي أحد الأصدقاء "الآن عرفت كيف استطاعت حماس السيطرة على غزة دون كثير عناء، نعم، فالخبرة التي اكتسبها رجال القسام في مواجهتم للاحتلال أهلتهم ليكونوا في مصاف القوات العسكرية المدربة تدريبا حديثا، وبالتالي مواجهة قوات نظامية مدربة على أيد أمريكية". وإذا أخذنا عملية الهجوم على معبر "كرم أبو سالم" الأخيرة،كعينة على الأداء العسكري الجديد للقسام، نلحظ أن التكتيك العسكري الجديد للكتائب أصبح يعتمد على عنصر المباغتة وقلب التوقعات.. ففي حين كانت أنظار الإسرائيليين تتجه إلى الحدود الفلسطينية المصرية كمكان لترجمة الضغط الشعبي في غزة ردا على الحصار، جاءت العملية لتخلط الأوراق لدى الجانب الصهيوني، ولتؤكد قدرة القسام على نقل أهدافها بأي وقت –وإن كنا لا نربط أبدا بين ظروف اقتحام معبر رفح وظروف عملية "كرم أبو سالم". وفي الأمثال الشعبية يقولون "إن الضربة التي لا تكسر الظهر تقوّيه"؛ وهذا ما يحدث فعلا.. إن لم يكن من وجهة نظرنا فمن وجهة نظر الصهاينة أنفسهم، حيث يجمع هؤلاء على أن القسام استفادت كثيرا من تكرار المواجهات العسكرية بين المقاومة والاحتلال. وأثبتت المواجهات التي اندلعت على أكثر من محور في غزة بين الاحتلال وكتائب القسام، أن صورة المقاوم ذا التدريب البسيط والسلاح الخفيف قد تغيرت، إذ حلّت مكانها صورة المقاتل عالي التدريب والذي يمتلك السلاح المتطور، وخطط المناورة العكسرية من مواجهة ونصب كمائن وغيرها. ولذلك لا نستغرب إذا استمعنا لشهادات جنود الاحتلال العائدين من المواجهات مع الكتائب من قبيل "نحن نقاتل جيشا نظاميا عالي التدريب.. ليست هذه غزة التي تركنها قبل سنوات"! وإذا أردنا عقد مقارنة ما بين المقاومة في غزة والمقاومة في جنوب لبنان، نرى أن الكفة ترجح لصالح المقاومة في غزة، نظرا لاختلاف ظروف الميدان في المنطقتين، فجنوب لبنان منطقة جبلية وعرة يسهل الاختباء في أحراشها، وهو العكس تماما في غزة، إضافة إلى أن المقاومة في لبنان غير محاصرة في بقعة محددة من الأرض كما هو الحال في غزة. وربما ساعد عنصر "التجاور" –إن جاز التعبير– ما بين قوات الاحتلال والمقاومة على تمكين عناصر القسام من دراسة أساليب قوات الاحتلال وتحركاتها. وهنا تحديدا أنقل حرفيا ما قاله محللون في الصحافة العبرية في هذا المجال.. يقول المحلل العسكري عميت كوهين في صحيفة "معاريف": "إن التطور العسكري لدى حركة حماس، مقارنة بحزب الله اللبناني، يسير بوتيرة متسارعة، فحجم العمليات المكثفة في قطاع غزة - أي من الجانبين- من الصعب استيعابه وحصره، فهو أكثر بكثير من حجم العمليات التي كانت تجري في منطقة الحزام الأمني في جنوب لبنان". ويضيف كوهين: "هذا يعني أن لدى حركة حماس القدرة على تعلم أساليب عمل الجيش الإسرائيلي، واستخلاص النتائج والعبر، والاستعداد لتحسين سبل المواجهة، وبالإمكان لمس ارتقاء مستوى العمليات من خلال ارتفاع عدد المصابين في الجانب الإسرائيلي منذ مطلع العام". أما المحلل العسكري المعروف في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أليكس فيشمان، فيقول: "إن الأسابيع الأخيرة تميزت بقتال متشعب أكثر من ذي قبل، لحركة حماس، وذلك على طول الجدار الحدودي مع قطاع غزة، من وضع عبوات وألغام، وإطلاق النار في اتجاه المزارعين والجيش وإطلاق قذائف.. وفي المقابل فقد انخفضت وتيرة إطلاق قذائف القسام باتجاه بلدات إسرائيلية". ويوجّه فيشمان انتقادا للسياسة الإسرائيلية، داعيا إلى شن اجتياح واسع لقطاع غزة قريبا، ويقول: "إن هذا قتال استنزاف قوى يومي، تفرضه السياسة (الإسرائيلية)، وطالما أن السياسة هي دفاعية وإطفاء حرائق، فإننا أمام حرب دراسة خبرات وأساليب على طول الحدود، وكل طرف يتعلم أساليب الطرف الآخر، ولهذا سيقع المزيد من الأخطاء (يقصد في الجانب الإسرائيلي) والمزيد من القتلى والمصابين". خلاصة القول: إن ما أراده الاحتلال تقويضا للبنية التحتية للمقاومة في غزة جاء بنتيجة عكسية تلخصت في هذا التطور المتسارع لأداء المقاومة بشكل عام ولكتائب القسام بشكل خاص.. وبعيدا عن تأويلات المحللين حول أسباب هذا التطور، نقول إن الإرادة والتحدي هو ما صنع هذا التطور، بالإضافة إلى الروح القتالية التي يمتلكها مقاتلو القسام المستندة في الأساس إلى التربية الإيمانية في مساجد غزة.