لعلّ سجالات المفكرين والمثقفين العرب، وانعكساتها في وسائل الاعلام والفضائيات، تعكس أزمة فكرية وفوضى ثقافية حادّة؛ فهناك شبه اتفاق بين النُّخب الفكريّة على عقم الفكر العربي الحالي بأبعاده المتنوعة السياسية والاجتماعية وقبل كل شيئ الفلسفية، وغالبًا ما كانت المؤشرات الاتهامية الصادرة منهم تتجه نحو المؤسسات السياسية و الدينية والأنظمة الثيوقراطية ، بأنها السبب المحوري الرئيس في ما وصلنا اليه من انحطاط على الصعد كافّة. وإننا لا ننكر عظيم أثر المؤسسات اللاهوتية و مملكة الفقهاء، التي تعتبر أن أمر تسيير شؤون البلاد والعباد جزء محوري من مهماتها، وأن الله هو من أوكل لها هذه المهمة، الأمر الذي أدَّى الى حالة التراجع الفكري وأودى بالشعوب الى هاوية الجهل؛ علاوة على دور السلطات السياسية في انظمة شمولية اشبه ما تكون بالثيوقراطية، المتورّطة في فخ القمع المبالغ فيه ما أدخل البلاد في دوامة العنف مع ما يرافق ذلك من كتم للحريات وحدّ للابداع الفكري. وبالرغم ما لكافة المؤسسات المجتمعية من عظيم الأثر في تدني الفكر وتدهوره، إلا أنه وللإنصاف، لا يمكن ان نُلقي كلّ تَبعات العجز الفكري على المؤسسات السلطوية وحدها، فهناك معوّق لا شكّ أساسي كامن، وأزمة جوهرية في الفكر نفسه. وبعيدًا عن عامليّ السياسة والدين واثرهما في تدهور الفكر، تبقى هناك تَساؤلات جدير بالتوقف عندها وحريّ بنا أن نلقي نظرة استقصائية لفهم الاشكاليات المطروحة حولها وهي تتعلق في استراتيجيات الفكر نفسه ؛ فإلى أيّ حدٍّ يعمل فهمنا للفكر ولتاريخه كمعوق أساسي يتحدى ولادة فكر جديد؟؟ والى أيّ حدّ يُمكن ان نغيّر عاداتنا الفكرية؟؟ وهل المنطق نفسه الذي يحكم تفكيرنا هو بحد ذاته عادة وليس قانونًا كُلّيًّا ملزمًا بحقنا أو بحق الآخرين؟؟؟ إن ذواتنا الحضارية اليوم أمست أشبه ما يكون ب"اللقيط الثقافي"، ومجتمعاتنا منغمسة في بناء سياج الهويَّة العالي وان انفتحت شكلا عبر الاتصال على العالم بأسره، أما أنظمتنا السياسية فحدّث عنها ولا حرج، أنظمة فريدة عصرها، فلا يمكن تصنيفها لأنها مزيج من جمهوريات ملكية وخلافة وراثية، حوّلَت البلاد الى شركات عائلية، الشعب فيها خادمًا للزعيم وعائلته ورقما على لوائح عمالها... وفي ظلّ عالم تطور فيه مفهوم الدولة و تلاشت فيه الحدود الاقتصادية على الاقل بين الدول المتطورة، نجد ان دولنا العربية تراجع فيها مفهوم الدولة وممارستها وأمسى الانسان فيها كائنًا يلوذ بنفسه وبهويته الاثنية او العرقية او الطائفية... خشية تلاشي ذاته التاريخية، التي تعكس تكوينه المجتمعي وتمنحه شعوره بالكيان المكاني والبعد الزماني، في ظل نكوصٍ فكري حاد. إن مواكبة فكر مغاير في عالمنا العربي تحتاج قبل كل شيئ إلى التحرر من سلطة الفكر اولا وسلطة "النص"، وإعادة النظر في عملية تأويل الخطاب،لأن دراسة الظواهر في عصر المتناقضات تحتاج الى دراسة بنية الفكر نفسها،إذ لا بد من الوصول الى صيغة لإيجاد موقع فكري تنتفي معه خاصية "التيارية "او "هويّة السور"، بحيث يكون المفكّر والمثقف محرَّر وعارٍ من الروابط كلها، ويكون البحث عندها يعلو حتى على الوقائع التاريخية نفسها. وبالمقارنة مع المناهج الفكرية نجد اننا أمام منهجين اثنين : منهج يركز على الموضوع ويجردّه من كافة سياقاته ومساقاته، ومنهج يركز على العلاقات في اطار دمج افضى إلى اختلاف حاد في اساليب الاستدلال العقلي.. وهنا يظهر (الفارق المذهل أكثر من سواه بين تراثين يحتلان طرفي العالم المتحضّر هو قدر المنطق ومصيره. إذ ظلّ المنطق عند الغرب محوريًّا، ولم ينقطع أبدا الخط الممتد لرسالته ) على حد تعبير الفيلسوف غراهام انجوس. إن عملية تحليل القيم العقليّة المهيمنة في فكرنا العربي المعاصر وفهم العوامل الفاعلة فيه يجب ان لا تُسقِط من حسابها بحال من الأحوال أن ما هو علمي وراهن وواقع في يومنا هذا، سيصبح لامحالة متجاوزًا فيما بعد، وهذا يعني أن عملية نقد الفكر وتحليل القيم العقلية هي في حد ذاتها سيرورة مستمرة وعملية لا متناهية. فمن الضروري استبدال فكرنا المتعالي ومعرفتنا المطلقة التي تدَّعي انها صالحة لكل زمان ومكان ، بفكرٍ أكثر نسبية وتواضعًا ويلحظ مستوى الواقع و يضع في حسبانه "الآنة" "اللحظة الزمنية المعينة التي يتمثل فيها نشاط إنساني معين . هذا التحول الفكري سيضعنا أمام إعادة النظر في "مفهوم الحقيقة"، الذي هو نفسه مفهوم نسبي آني وليس مفهوم مطلق، كما يتطلب منا تجاوز الروح النسقية التي مازالت تطغى على فكرنا العربي خصوصًا الجزء المستمد من الفكر الاسلامي، فتجليات دينامية الفكر وتطوره المستديم في عمليته الإبداعية، هي أنشطة الفكر عندما يعي ذاته وهي عندئذ تحليل ونقد وتفكيك النقد الكامل للمعرفة وهذه في حقيقة الأمر مهمة الفلسفة، التي لا تفتأ تتحول وتتطور في نظرياتها ومقولاتها في ظل تناغم تام مع تطور الممارسات العلمية. خلاصة القول ان الفكرالحداثي الذي عمل على تمجيد المنطق والضبط العقلي قد غرق في التفاؤل في أن العلم قادر على وضع كل الحلول وهو (فكر عقلاني) صرف، كما أن الفكر ما بعد الحداثي يرى أن العلم وسيلة للسيطرة لانه أداة في قبضة المؤسسات الاقتصادية وهذا الفكر رافض بطبيعة الحال للنمطية القطبية الأحادية وهو (فكر نسبانيّ)، وبين الفكرين يبقى الفكر العربي متجهًا نحو مرحلة ما قبل قبل البداوة...! إننا اليوم أمام عوالم ثقافية لا متناهية نحتاج فيها الى بلورة فكر يحدد جسور الوصل بينها و يستشرف مستقبله في ضوء التغيرات العالمية المستجدة وإذا ما التقت الممارسات المجتمعية فإن الاختلاف في العملية الفكرية مآلها الى الانحسار وعندها سيتلاشى صدام الذهنيات. الامل معقود أن تتحول ثلاجة الفكرالعربي، الى معبر يتجاوز من خلاله المرء الى مرحلة مابعد بعد العولمة الى آفاق كونيّة، ربما تكون أرحب علّنا نستطيع حلحلة بعض أزماتنا الاجتماعية والاقتصادية وقبل كل شيئ السياسية، فالانظمة مشغولة اليوم كما لم تنشغل مرة من قبل في سبيل الحفاظ على استمراريتها، والأوضاع الإنسانية لشعوبنا العربية لاشك متدهورة و الحريّة مازالت غائبة كلّ الغياب. فما هي جغرافية فكرنا العربي إذن؟ وما مستقبله في ضوء السياق الكوني؟ ألا يعود سبب عجزنا الفكري الى فهمنا للفكر نفسه ونظرتنا الى تاريخه وحرص مفكرينا على تنميط النماذج وجعلها واقعًا!؟ أسئله منوط بقادة الابداع الاجابة عنها وبلورتها، فربما اليوم يكون قد فات الأوان!

مصادر
ايلاف