الجنرال موشيه يعلون رئيس الأركان السابق لجيش الاحتلال القريب سياسياً وفكرياً من أحزاب اليمين، ـ والمرشح للانضمام إلى الليكود وتولي حقيبة الدفاع في حالة فوز هذا الأخير في الانتخابات المبكرة القادمة ـ هو مخترع ومبتدع مصطلح «كي الوعي». بدأ في استخدام المصطلح بعد اندلاع انتفاضة الأقصى وكان يسعى إلى توجيه الضربات القاسية والمؤلمة للفلسطينيين وإنزال الهزيمة الثقافية والفكرية كما السياسية والأمنية بهم عبر إجبارهم على الإقرار بالعجز عن الانتصار على إسرائيل عسكرياً أو إكراهها على تقديم التنازلات تحت الضغط العسكري والأمني. لم ينتبه كثيرون إلى أن هذا المصطلح «كي الوعي» تكرر كثيراً في المداولات التي جرت إبان حرب لبنان خصوصا في الفترة من 20 إلى 25 تموز ,2006 في هيئة الأركان التابعة لجيش الاحتلال حول جدوى الحرب أو العملية البرية الواسعة والفائدة العسكرية لاحتلال مدينة بنت جبيل تحديدا. تحدث الجنرال دان حلوتس الرافض من حيث المبدأ للعملية البرية عن ضرورة احتلال المدينة لما تمثله من رمزية لحزب الله بسبب خطاب الانتصار الذي ألقاه هناك الأمين العام للحزب في أيار .2000 اعتبر حلوتس أن مجرد احتلال المدينة والسيطرة عليها عسكرياً يمثل «كياً لوعي» حزب الله وخطوة رمزية تشير إلى انهيار أسس خطاب الانتصار ونظرية بيت العنكبوت التي طرحها السيد حسن نصر الله في ذلك الخطاب. وباتت تمثل ما يشبه الهاجس داخل جيش الاحتلال وحتى في الشارع الإسرائيلي بشكل عام. لم يكن الجنرال يعلون يصف في الحقيقة سوى نظرية أو سياسة إسرائيلية متبعة حتى منذ ما قبل اغتصاب فلسطين. فنظرية كي الوعي تشكل الأساس والجوهر لمقولة زئيف جابوتنسكي عن السور الحديدي الذي يضرب العرب رؤوسهم به مرة بعد مرة إلى أن يقتنعوا أن ليس في الإمكان إزالة إسرائيل وبالتالي لا بد من التعايش مع وجودها بشكل أو بآخر. وطوال الستين سنة الماضية اتبع قادة الاحتلال سياسة نفسية وإعلامية مفادها أن ليس بإمكان العرب هزيمة إسرائيل عسكرياً أو حتى إجبارها تحت ضغط القوة على تقديم التنازلات وبالتالي فلا بد من الذهاب إلى المفاوضات والحوار كوسيلة لتسوية التنازلات وفق لمقولة لموشيه دايان الشهيرة بعد الهزيمة العربية المدوية في العام 1967: «نحن بانتظار ان يرن الهاتف ويكون على الجانب الآخر أحد القادة العرب من أجل التفاوض والحوار»، وعلى ذلك غالباً ما تباهى القادة الإسرائيليون بجلوس العرب إلى طاولة التفاوض باعتبار ذلك إقرارا واضحا بالعجز عن التغلب على إسرائيل أو قهرها. إذاً، في عقر دارهم في الدوحة واستغلال لمشاركتها في مؤتمر الديموقراطية والتنمية، قررت مسؤولة الموساد السابقة كيّ وعي العرب عبر سلسلة من الأفكار والمفاهيم يمكن ايجازها على النحو التالي: أولاً: أكثرت ليفني من استخدام كلمة «نحن» الكلمة التي لازمت وسبقت كل عبارات ومفاهيم وأفكار تسيبي ليفني، في محاولة لتكريس الفهم القائل ان العداء مع إسرائيل انتهى وأن هذه الأخيرة أصبحت دولة عادية وطبيعية في المنطقة وبالتالي ليس غريباً أن تتجادل او تتفاهم مع الدول الأخرى حول مصير ومستقبل المنطقة وكيفية حسم التحديات التي تواجهها. ثانياً: إذا كانت إسرائيل لم تعد عدوا، فلابد إذاً من البحث عن عدو وهنا تحاول ليفني تكريس نظرية أن إيران هي العدو ومعها حزب الله وحماس وأن محور الشر هذا أو المحور المتطرف لا بد من ان يواجه بمحور الخير او محور المعتدلين الذي يضم إسرائيل ودولا عربية ومركزية ومهمة. ليفني التي تعي ان الرأي العام العربي ما زال ينظر الى إسرائيل بصفتها العدو ومركز الشر في المنطقة طالبت القادة العرب بالعمل على تغيير هذه النظرة من دون أن تبدي أي استعداد للتنازل أو تقديم شيء في المقابل. ولم تذكر سوريا بالطبع لأن ثمة دوائر في ما يعرف بمحور المعتدلين ما زالت تراهن على مسألة إبعاد سوريا عن محور الشر وحتى أن جدول اعمال ليفني نفسها في قطر تضمن نقل رسالة إلى سوريا مفادها أن إسرائيل مستعدة لاستئناف المفاوضات معها وحتى إرجاع هضبة الجولان على ان تقطع العلاقات أو التحالف مع إيران وحركات وتنظيمات المقاومة في المنطقة كشرط مسبق للمفاوضات وإنهاء العزلة المفروضة على سوريا. ثالثاً: انسجاماً وتساوقا مع المفاهيم السابقة طرحت تسيبي ليفني أمرا خطيرا جداً في ما يتعلق بمفاوضات التسوية مع الرئيس محمود عباس. لقد قالت بالحرف ان «مجرد وجود المفاوضات يشهد على استعدادات إسرائيل للتوصل إلى سلام. اسرائيل والقيادة الفلسطينية المعتدلة تعيشان في ذروة عملية تهدف إلى حل النزاع وبناء عليه من الواضح بشكل كاف الآن أن إسرائيل لا تشكل خطرا على استقرار المنطقة وسلامها». نحن هنا أمام اعتراف أو إقرار بمبدأ التفاوض من أجل التفاوض ليس فقط استغلال المفاوضات لتكريس الأمر الواقع في الضفة الغربية من استيطان وتهويد بل استغلال المفاوضات للتطبيع مع الدول العربية علماً أن المبادرة العربية تحدثت عن التطبيع بعد انتهاء المفاوضات وتوصلها إلى النتيجة الحتمية والجدية المتمثلة بانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس ومع حل عادل وجذري لمشكلة اللاجئين وفق القرار .194 تطلب ليفني التطبيع لمجرد التفاوض مع الفلسطينيين حول حل للصراع علماً أن هذا الأمر أي الجلوس للتفاوض كان تاريخياً مطلباً إسرائيلياً وليس عربياً وفلسطينياً. رابعاً: وفي هدم واضح لأسس المبادرة العربية التي تمثل الحد الأدنى المقبول، تطلب ليفني من الدول العربية التدخل وليس الجلوس على السياج وانتظار نتيجة المفاوضات. التدخل التطبيعي من اجل ماذا؟ تجيب ليفني: كلما ازداد الدعم العربي سيكون الحسم أسهل ودعم الدول العربية ضروري أيضاً لأن الرئيس محمود عباس قد يتعرض الى هجوم من البيت على كل قرار سيتخذه ويتعلق بالعملية السياسية. لذا، لا يمكن للعالم العربي أن يقف جانباً بل يتعين عليه دعمه. إذاً، بعد التطبيع مع إسرائيل لا بد من التدخل لنجاح المفاوضات عبر الضغط على الرئيس محمود عباس للقبول بالشروط أو الخطوط الحمر الإسرائيلية التي تحدثت ليفني عنها مباشرة قبل ذهابها إلى الدوحة لا لتقسيم القدس لا لعودة اللاجئين لا للعودة إلى حدود .1967 وبناء على ذلك يمكن التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين ومنحهم دولة أو دويلة كانتونات معزولة، ولأن ليفني تعي أن ليس بإمكان الرئيس محمود عباس ولا غيره الموافقة على هذا الأمر، فهي تطلب تدخل الدول العربية لإقناعه أو الضغط عليه للقبول بذلك بحجة نجاح المفاوضات والتخلص من الصداع او الهم الفلسطيني. خامسا: بما أن الأمر يتعلق بالديموقراطية، فكان لا بد أن تتشدق ليفني بشيء ما عن الأمر. لم تقدم طبعاً دليلا على ديموقراطية إسرائيل من منطق استعلائي على اعتبار ان الأمر محسوم ومفروغ منه فقدمت مزاعم عن عدم ديموقراطية الطرف أو المحور الآخر مثل الجنود الثلاثة الاسرى لدى حماس وحزب الله وما اسمته عرقلة المسار الديموقراطي في لبنان والسلطة الفلسطينية ولم تقل فلسطين ـ الجنود الاسرى هم نتيجة للسياسات الاسرائيلية الأحادية الجانب التي حسب ليفني نفسها تمثلت بالانسحاب وإلقاء المفاتيح من دون أي ترتيب أو حل للقضايا مثار الخلاف. وعرقلة المسار الديموقراطي هو مسؤولية أميركية إسرائيلية في فلسطين تحديداً، وهو نتيجة لمواقف اسرائيل التي رفضت الاعتراف أو الاقرار بالخيار الديموقراطي الفلسطيني لا بل انها تقوم بارتكاب جرائم حرب لمعاقبة الشعب الفلسطيني على خياره الديموقراطي. ومنذ أيام تحدث أيهود باراك في سديروت عن أن حصار غزة يهدف أساساً إلى معاقبة الغزاويين على اختيارهم لحركة حماس ـ والغريب أن أحدا لم يسأل ليفني عن التنمية خاصة في الضفة الغربية وعن الحواجز والسواتر والخنق المستمر والمتعمد للاقتصاد الفلسطيني ورفض تقديم أي تسهيلات بحجة تأثيرها السلبي على الأمن الإسرائيلي الذي كان وما زال يمثل الخلفية الأساسية لمختلف السياسات والممارسات الإسرائيلية.

مصادر
السفير (لبنان)