تتردد اليوم أخبار مفادها أن توني بلير، مبعوث اللجنة الرباعية المعنية بالسلام في الشرق الأوسط (والتي تضمّ الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والولايات المتحدة)، والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل ينويان عقد مؤتمر سلام جديد، في برلين هذه المرّة، في شهر حزيران (يونيو) المقبل. يصعب التصديق أنه بعد السلسلة الطويلة من مبادرات السلام الفاشلة التي أقله يعود إلى مؤتمر مدريد سنة 1991، يعمد المسؤولون السياسيون إلى إعادة تدوير هذه الإخفاقات من دون أن تكون لديهم أدنى فكرة عن السبب الذي يجعل من تسوية النزاع الفلسطيني الإسرائيلي اليوم محاولة بائسة أكثر مما كانت عليه حتى قبل انطلاق مساعي السلام في المنطقة. تكمن الفضيحة خلف عجز المجتمع الدولي عن تسوية أحد أطول النزاعات الدامية في التاريخ في أنه يدرك تماماً ما هي المشكلة، إلا أنه لا يتحلى بالشجاعة الكافية لقول الحقيقة والتعامل معها. ولا شك أن مؤتمر السلام المقبل المزعم عقده في ألمانيا (أو في موسكو كما يطالب به المسؤولون الروس) سيعاني من الجبن عينه الذي طبع الجهود السابقة كافة. فهو سيعالج جملة من المسائل باستثناء المشكلة الحقيقيّة التي أوصلت الملف الفلسطيني - الإسرائيلي إلى حائط مسدود على مرّ الأجيال. ومع وضعنا جانباً الأخطاء الفادحة والكثيرة التي اقترفها الفلسطينيون لاسيما قيادتهم العاجزة والفاسدة، والإخفاق في بناء المؤسسات وأعمال العنف الدموية التي تنفذها الجماعات الفلسطينيّة الرافضة للسلام، يتّضح أن السبب الحقيقي وراء غياب أي آفاق تبشر بقيام دولة فلسطينية تتمتع بالسيادة وقابلة للعيش هو أن الحكومات الإسرائيلية التي تعاقبت منذ العام 1967 حتى اليوم لم تنو يوماً السماح بقيام مثل هذه الدولة. لربما كان من حقّ الحكومات الإسرائيليّة الإصرار على تأخير عملية قيام الدولة الفلسطينيّة لمعالجة بعض المسائل الأمنية المقلقة لاسرائيل. لكن، أي حكومة تدعم حقاً حل الدولتين للنزاع لا يمكنها في الوقت ذاته أن تستمر من دون كلل في نهب الأراضي الفلسطينيّة وتجزئتها، وهو واقع قد يدفع حتى الطفل الى الإقرار باستحالة قيام الدولة الفلسطينيّة. ونظراً إلى انعدام توازن القوة بين قوة الاحتلال والشعب الخاضع للاحتلال، فليس من المفاجئ إطلاقاً أن الحكومات والجيش والأجهزة الأمنية في إسرائيل لم تتردد في إشباع رغبتها في احتلال الأراضي الفلسطينيّة. لكن المذهل بالفعل هو أن المجتمع الدولي، بتصديقه مزاعم إسرائيل بأنها الضحيّة وبأن الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال هم المعتدون، سمح باستمرار عملية مصادرة الأراضي وشيوع شرعة الغاب. وطالما أن إسرائيل تدرك أن تأجيل عملية السلام يمنحها الوقت لإرساء حقائق على أرض الواقع سيكون من الصعب تغييرها، وأن المجتمع الدولي سيستمر في تصديق ادعاء إسرائيل أن الفلسطينيين هم الذين يحبطون مساعيها لتحقيق «حل الدولتين»، فسيكون من المستحيل النجاح في أي مبادرة سلام، وعندها ستصل عملية مصادرة الأراضي حتماً إلى نقطة اللاعودة. وتخطئ الدول الغربية كثيراً باعتقادها أن السير في هذا المسار، انطلاقاً من شعورها بالذنب إزاء مشاركتها في المحرقة اليهودية، سيكون بمثابة مبادرة صداقة باتجاه الشعب اليهودي. ومن المؤكد أن التخلي عن الفلسطينيين اليوم لن يساعد على التعويض عن التخلي عن اليهود الأوروبيين قبل سبعين عاماً أو السماح لإسرائيل، دولةً وشعباً، بالعيش في أمان. قال جون فينوكور من صحيفة «نيويورك تايمز» أخيراً إن تصريحات ميركل والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، التي عبرا فيها عن دعمهما المطلق لإسرائيل، هي «أقل محاولة لوضع الدولة الإسرائيلية على مسار الاعتدال من خلال تطمينات علنية تخبئ في ثناياها فكرة مفادها أن الاتحاد الأوروبي ليس أو بالأحرى لم يعد عدواً لإسرائيل». غير أن افتراض الدول الغربية أن منح دعم غير مشروط لإسرائيل سيؤدي إلى اعتدال أكبر من جانبها واستعداد أكبر للمجازفة تحقيقاً للسلام هو افتراض خاطئ إذا راجعنا تاريخ النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي. فقد اظهر تاريخ هذا النزاع بالفعل مراراً وتكراراً، أنه كلما زاد الدعم الذي تحصل عليه إسرائيل من أصدقائها في الغرب إزاء مصادرتها الأراضي الفلسطينيّة، كلما زادت سياستها تصلباً. هذا بالضبط ما آل إليه رد فعل أولمرت على التضامن والصداقة «الأزليين» اللذين عبرا عنهما ساركوزي وميركل، فقد وافق رئيس الوزراء الإسرائيلي على عملية واسعة لتنفيذ مشاريع سكنية في شرق القدس كانت قد جمّدتها الحكومات السابقة نظراً إلى وقعها المدمّر على احتمال توقيع اتفاقية سلام بين الجانبين، كما سمح باستمرار توسيع المستوطنات الإسرائيلية. كذلك، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك بعد فترة وجيزة من انتهاء زيارة ميركل إلى إسرائيل انه سيزيل فقط عدداً محدوداً من بين ما يزيد على خمسمئة نقطة تفتيش وحاجز كانت قد وعدت إسرائيل مراراً بتفكيكها، من دون تحقيق وعودها يوماً. وقد أحبط إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي آمالاً ولو ضيّقة كان قد علّقها الفلسطينيون على تعافي اقتصادهم على ضوء المساعدات الجديدة البالغة قيمتها سبعة بلايين دولار أميركي والتي تعهّد المانحون الدوليون بتقديمها في إطار أعمال مؤتمر باريس في شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي. ومن المؤكد أنه في مثل هذه الظروف، لن ترغب الدول المانحة، وخاصةً مؤسسات القطاع الخاص، في تقديم المزيد من المال دعماً لقضية محكومة بالفشل، كما فعلت في السابق. إذاً، المطلوب اليوم من القادة والمسؤولين لا يتمثل في المزيد من مؤتمرات السلام أو تعديلات محنّكة لمبادرات سلام سابقة، بل شجاعة أخلاقيّة وسياسية لإنهاء مشاركتهم في المهزلة التي انتهت إليها اليوم عملية السلام. وبالطبع يجب استنكار أعمال العنف التي تقترفها الجماعات الفلسطينيّة ووضع حدّ لها، خاصةّ تلك التي تستهدف المدنيين. لكن في الوقت عينه، أليس من المعيب الادعاء أن الاحتلال المستمر من خلال نقاط التفتيش والمتاريس التابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي، والمقاتلات المروحيّة، والمقاتلات النفاثة، والاغتيالات المستهدفة والتوغلات العسكريّة، وعمليات نهب الأراضي الواسعة النطاق، لا تشكل كلها حلقة عنف متواصلة ومتزايدة ضدّ ثلاثة ملايين فلسطيني؟ وإذا عدلت إسرائيل عن اللجوء إلى العنف، هل يمكن للاحتلال أن يستمر ولو ليوم واحد؟ إن الأهداف التي تسعى إسرائيل إلى تحقيقها في الضفّة الغربية لا تختلف كثيراً عن أهداف القوى العربية التي شنت حرباً على الدولة اليهوديّة سنة 1948، ألا وهي إلغاء قرار التقسيم الذي أصدره المجتمع الدولي عبر الأمم المتحدة سنة 1947. لا بد من مواجهة المشكلة كما هي وتسميتها باسمها الحقيقي، بدلاً من الاستمرار في اصدار التصريحات الفارغة كالقول إن «المستوطنات لا تخدم عملية السلام». كما لا بد من اتخاذ موقف جماعي فعال لانهاء المشروع الاستيطاني الذي يشوه ما بدأ كحركة تحرر وطني لليهود. من دون ذلك ستجعل كل مؤتمرات السلام اللاحقة المشاركين فيها، ومهما كانت نياتهم حسنة، مجرد لاعبين ثانويين في أحد أكبر الإخفاقات وأعنفها في تاريخ الديبلوماسية الدوليّة.

مصادر
الحياة (المملكة المتحدة)