نميل لتصديق الرواية السورية حول "الموقع" المثير في دير الزور ، والذي كان هدفا لغارات جوية إسرائيلية ، تقول دمشق أنها نفذت بضوء أخضر من واشنطن ومساعدة لوجستية كذلك. ونقول "نميل" لسببين: الأول ، أن دمشق آثرت التعتيم على "الموقع" المستهدف ، بدل أن تجعل منه "قبلة الزائرين" إلى سوريا ، وأن تشرّع أبوابه أمام الصحفيين والمفتشين الدوليين ورجالات الوكالة الدولية للطاقة النووية... والثاني: لأننا لا نثق أصلا بالرواية الأمريكية ، فالصور التي عرضتها الاستخبارات الأمريكية على الكونغرس وتناقلتها وسائل الإعلام لـ"الموقع" المذكور ، تذكرنا بصور كولن باول في مجلس الأمن عشية الحرب على العراق ، والتي ثبت بالملموس أنها كاذبة من ألفها إلى يائها ، ولم يتفوق عليها في تهافتها سوى الأكاذيب التي صدرت عن لندن وإدارة طوني بلير تحديدا ، والتي لم تتورع عن سرقة "بحث طالب" عن التسلح العراقي ونسبته إلى مصادر إستخبارية موثوقة ومجربة ؟، قد يقول قائل بأن سوريا آثرت الصمت والتعتيم ، لأن التصريح والكشف في مثل هذه الحالات يستدعيان "رد فعل" من مستوى "الفعل" ، وسوريا ليست في وارد "رد الفعل" وهي اعتادت في مثل هذه المناسبات المتكررة أن تلوذ بلغة "عدم الانجرار" وأن تتلطى بعبارات من نوع: "نحن وحدنا نقرر زمان الرد ومكانه وكيفيته" وهو رد لم يأت زمانه ، وقد لا يأتي أبدا ، اللهم إلا إذا كان بصورة غير مباشرة أو عبر وسطاء By Proxy ، عندها سيكون ممكنا معرفة الزمان والمكان والكيفية. إن لم تكن المنشأة السورية المقصودة نووية ، والأرجح أنها ليست كذلك ، فلْتُفتح أبوابها أمام عيون الصحافة والمراسلين والمفتشين ، حتى وإن كانت مؤسسة حساسة لتطوير الصواريخ مثلا كما يقال ، فثمة بلاء أخف من بلاء ، والولايات المتحدة ماضية في "بناء قضية" ضد سوريا على غرار ما فعلت مع العراق من قبل ، ومع إيران من بعد ، وليس من مصلحة سوريا أبدا ، الاستخفاف بما يحاك ويدبر لها في الخفاء ، أو ترك الأمور حتى تصل نقطة اللاعودة. وأخشى ما يخشاه المرء ، أن تكون القيادة السورية قد أُخذت بوعود السلام وعروضه التي انهمرت عليها فجأة من أولمرت وأركان حكومته ، فمثل هذه العروض هدفها اللعب على المسارات من جهة ، وإخماد ردة الفعل السورية على الكشف الأمريكية عن عملية "دير الزور" من جهة ثانية ، وتوجيه تحذير لسوريا من جهة ثالثة ، من مغبة الاستمرار في دعم حزب الله وحماس والارتباط بإيران ، لا سيما إن كانت هناك نوايا للتصعيد الإسرائيلي شمالا وجنوبا ، أو لتوجيه ضربة أمريكية لإيران. أيا يكن من أمر ، لسنا نأخذ على محمل الجد ، انتعاش وعود السلام على المسار السوري ، والأرجح أن السيد أردوغان سيكتشف بعد حين من الوقت ، أنه "استخدم" من قبل إسرائيل لتمرير رسائل خادعة وكاذبة ، وأن ما يقال عن نوايا سلام مع سوريا استيقظت في إسرائيل ، قد لا يكون أكثر من "عملية تضليل إستراتيجي" ، تكمن وراءها أكثر النوايا الإسرائيلية سوءا وخبثا ، فرياح الحرب والتصعيد تهب على المنطقة من كل حدب وصوب ، والتهديدات الأمريكية - الإسرائيلية لكل من إيران وسوريا وحزب الله وحماس ، تطغى على بشائر السلام ووعوده ، وفي مناخات كهذه ، يتعين الحذر وعدم التقليل من شأن الشوط المتقدم الذي قطعه "سيناريو الإعداد للخيار العسكري" ، والذي قد يتم اللجوء إليه قبل رحيل هذه الإدارة عن البيت الأبيض.

مصادر
الدستور (الأردن)