في محيط بحيرة تويا في هوكايدو اليابانيّة، قد يشعر زعماء العالم الغني للحظة، بأن لا حاجة لتوسيع دائرة نادي مقرّري مصير البشريّة ليضمّ ممثّلي النصف الجنوبي من الكرة الأرضيّة. ربما يعتقدون أنّهم قادرون على اجتراح حلول رأسماليّة للنقاط الأربع السوداء التي تهدّد مصير الأرض وسكّانها... لكنّ الوضع ليس على هذه الصورة، وهم يدركون تلك الحقيقة ليست وحدها كارلا بروني من تسبّب «امتعاض» اليابانييّن من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي. ولا لأنه آخر الوافدين وسيكون أوّل المغادرين. ولا لأنه طلب أن «يُجلب» الصحافيون إلى فندق ويندسور حيث يقيم لحضور مؤتمره الصحافي اليوم، عوضاً عن أن يقطع هو المسافة التي تفصل بين مركز الصحافة ومكان إقامة الزعماء في محيط بحيرة تويا. وليس فقط لأنه، حتى مساء أمس، لم يكن قد حدّد موعداً للقائه برئيس الوزراء الياباني ياسو فوكودا. فقد بات مؤكداً أن ساركوزي سيلتقي الرئيس الصيني هو جينتاو والروسي ديميتري مدفيديف والجزائري عبد العزيز بوتفليقة. لعل مسألة الصين ودعوة فرنسا لتوسيع عضوية «نادي الكبار ليضم كباراً جدداً» هو ما يوتر العلاقة بين باريس وطوكيو. فاليابان تتخوف كثيراً من «العملاق الصيني» الذي يغازله الغرب، ولا تودّ فتح باب «نادي الكبار» أمامه قبل أن يفتح أمامها باب الوصول إلى مقعد دائم في مجلس الأمن. بينما ساركوزي يذهب مردّداً أنه «من غير الطبيعي أن تلتقي ثماني دول للبحث في قضايا العالم من دون الصين أو حتّى الهند»، مضيفاً تعابير شيراكية مثل «العالم متعدّد» و«يجب الانفتاح على القوى الجديدة». ومن هنا دعوته إلى فتح باب العضوية أمام الصين والهند والبرازيل وأفريقيا الجنوبية «ودولة عربية مسلمة». «أربع نقاط سوداء» تصطفّ على طاولة قمة الثماني وبصورة أربع أزمات حادة: أسعار الطاقة ونقص الغذاء وبلبلة الأسواق المالية والاحتباس الحراري. نقاط يقف ساركوزي منها هذه المرة «على حق من حيث المبدأ»، كما يقول أكثر من خبير. فكيف يمكن الحديث عن تقييد انبعاثات الغازات السامة وضبط الاحتباس الحراري من دون الحديث مع الصين أو الهند (تصنيع مكثَّف) أو البرازيل (تعرية الأمازون)، وكذلك الأمر في ما يتعلق بالنفط وارتفاع أسعاره. فغياب كبار المستهلكين من نادي الثماني، يجعل من روسيا، وهي العضو الوحيد المنتج للطاقة، لا تعير اهتماماً لقرارات القمة، حتى لا تبدو كأنها تفرض شروطاً على «زبائنها». أمّا غياب الصين، صاحبة أكبر إيداع نقدي في العالم، عن محادثات الأزمة المالية العاصفة، فهو نوع من «الاختباء وراء ظلّ الإصبع» كما يقول المثل الياباني. في حين أن أحد أشدّ دوافع شحّ المواد الغذائية، هو نهضة المجتمعات الجديدة التي حملتها الاقتصاديات الناشئة، وهي مجتمعات تضمّ أكثر من ثلاثة أرباع البشرية وتريد حصتها في الغذاء، وهي كلها غائبة عن نادي الكبار. ويشير أكثر من خبير إلى أنّ على «زعماء الدول الأكثر تقدماً» أن يدركوا أن «عصر هيمنة الغرب على مفاصل اقتصاديات العالم قد ولّى». وكما يشدّد أعضاء من الوفد الفرنسي، فـ«أفضل وسيلة لتجنب صراع الحضارات هو الجلوس حول طاولة والتفاوض». كما أنّ الخبراء الاقتصاديّين يشيرون إلى أنّ هذه الدول هي التي «تدفع عجلة النمو اليوم». ولكن هذا لا يمنع الأوروبيين من توجيه بعض الانتقادات التي يراها مراقبون شروطاً لدخول النادي العتيد، وهي رفع «العوائق الجمركية» حتى يصبح «التنافس الحر ممكناً»، بحسب تعابير ساركوزي. غير أنّ الملاحظ أن التشديد في المعالجة «المفصلية» للنقاط الأربع، وخصوصاً الأزمة الغذائية، كان ملاحظة توجّه بشكل خاص للقارة الأفريقية. وأعلن الاتحاد الأوروبي، عبر ممثله خوسيه مانويل باروسو، أمس، عن سلة جديدة من المساعدات الزراعية بقيمة مليار يورو لمساعدة الدول النامية على دعم مشاريعها الزراعية، من خلال توفير الأسمدة والبذور للمزارعين الفقراء، ومساعدة هذه الدول على تخفيف قلقها حيال الأمن الغذائي. وتُضاف هذه المساعدات إلى السلة الموعودة بقيمة ٨٠٠ مليون يورو التي أعلن الاتحاد عن تقديمها سابقاً، ما يجعل قيمة المساعدات الزراعية التي التزم بتوفيرها الاتحاد خلال العام المالي الجاري، بحدود 1.8 مليار يورو. ويشير هذا إلى أن الأوروبيين يستشعرون الخطر الذي يمكن أن يتسبّب به ارتفاع وتيرة المجاعة العالمية وتراجع الأحوال في القارة السوداء، إذ إن ذلك سيجعل الاتحاد الأوروبي في مواجهة حالة تدفُّق كبيرة للمهاجرين. كما أنّ أوروبا بدت متخوفة «على قيمة العملة الأميركية»، رغم أنها استردت بعض قيمتها في الأيام الأخيرة. ويلفت أحد المتابعين إلى أنّ خوف السلطات المالية الأوروبية هو أن «تنسلخ بعض العملات المرتبطة بالدولار عن العملة الأميركية» ما قد يساهم بزيادة انزلاق قيمتها، وبالتالي تفاقم الأزمة العالمية وإثارة نوع من «التسونامي» المالي الذي يمكن أن يضرب النظام المالي العالمي. وبالطبع فإنّ الدول التي يشار إلى رغبتها بالابتعاد عن الدولار لأسباب اقتصادية تنموية بحتة، هي بالدرجة الأولى اليابان والصين. ويرى مراقبون أنّ «المجتمعين في القمة لا بد أنهم تدارسوا» هذا الاحتمال، إذ، في حال «ورود شائعة فقط» عن رغبة بعض الدول، وخصوصاً الكبرى منها، في الابتعاد عن التعامل بالدولار وفكّ ارتباطها به، فإنّ هذا قد يكفي لإطلاق أزمة عالمية في النظام المالي المعمول به حالياً. أما في ما يتعلق بالاحتباس الحراري، فيتفق المراقبون على ضرورة «انتظار النتائج التي ستعلن غداً»، إذ إنّه لا ينفع أي عرض أو قرار إذا لم ترافقه، كما يقول الخبراء، «أهداف معينة لإنقاص انبعاث الغازات السامة». ومن المهم جداً، بحسب أقوال هؤلاء، «أن تكون الأرقام المطلوب الوصول إليها مترابطة بتواريخ معينة» مع إمكان «تدفيع الدول التي تتجاوز الكوتا المسموح بها»، وهو ما ترفضه حتى الآن الولايات المتحدة. ويرى كثيرون أن الهدف الذي وضعته اليابان في حدود عام ٢٠٥٠، بعيد جداً، وأن المطلوب، بحسب دراسات للأمم المتحدة، تحديد أهداف والوصول إليها بحدود عام ٢٠٢٠. وترى بعض الدراسات أنّ تخصيص نادي الكبار ما يعادل عشرة مليارات دولار لـ«تقنيات جديدة لتخفيف انبعاث غاز ثاني أوكسيد الكربون»، هو تمييع لسياسة محاربة الاحتباس الحراري. وفي السياق، يشدّد أكثر من مراقب على ضرورة العودة إلى «اتفاق كيوتو» الذي وقع عام ١٩٩٠، والذي رفضه جورج بوش غداة وصوله إلى البيت الأبيض، ما أخّر محاربة الاحتباس الحراري ٢٠ عاماً. سياسيّاً، أعرب قادة المجموعة، لدى بدء أعمال قمتهم الرابعة والثلاثين، عن قلقهم من الفوضى السياسية السائدة في زيمبابوي، على شكل انتقادات وجهها عدد من زعماء دول المجموعة إلى الرئيس روبرت موغابي بعد جولة إعادة الانتخابات الرئاسية التي أجريت في 27 من الشهر الماضي وكان فيها موغابي المرشح الأوحد.