هي أشبه باستباق الحدث، أو التجاوز السريع لكل المعطيات التي ظهرت خلال السنتين الماضيتين، فإن الإعلام أوحى بأن زيارة الرئيس بشار الأسد إلى موسكو مرتبطة بمعالم "حرب باردة" ربما لن تشتعل وفق "الشرط" الدولي الحالي، فالمقاربات الممكنة اليوم لا ترتبط بعملية "التسلح" السوري، بل بالمساحة الدولية التي تم طيها لصالح "استعراض" القوة الذي ظهر بعد "الأزمة الجورجية" بشكل مباشر.

ورغم أن "مسألة التسلح" لسورية له حساسية خاصة، ونادرا ما يتم التعاطي معه بـ"الشكل العلني" الذي ظهر قبل زيارة الأسد لروسيا، لكنه ظهر وكأنه العنوان الأساسي الذي غطى على "نوعية" التورط الإسرائيلي في جورجيا، وفي نفس الوقت فإنه أسقط "الحسابات" السياسية التي استجدت نتيجة "المواجهة" على حدود أوروبا في أوستيا وأبخازيا، لأن هذه المعركة السريعة لم تكن محدودة بجغرافيتها فقط، وبات واضحا أن التعامل الدولي سيختلف بعد هذه الأزمة وعلى الأخص في الشرق الأوسط.

عمليا فإن مسألة "التعاون" العسكري بين دمشق وموسكو تظهر في خلفية الحدث الأساسي، لأن "العامل" الروسي سيؤثر سياسيا قبل تحليل المعطيات العسكرية، فهو الذي حرك التصريحات "المتشنجة" سواء في "إسرائيل" أو حتى داخل الإدارة الأمريكية، لأن المعادلة السياسية تبدو متقلبة اليوم وليس من المفيد تناول موضوع التسلح بشكل مستقل، فهو يظهر على علاقات شرق أوسطية تعطي أولوية للتعاون الروسي – السوري، وبشكل سيؤثر على "الأزمات" في الشرق الأوسط وحتى على إدارتها، ويمكن تبرير هذا الكم من المعلومات والتقارير على موضوع التسلح بأمرين أساسيين:

- الأول أن معظم المحللين وجدوا أن "التعاون" العسكري سيؤثر مباشرة على وجود الاحتلال الأمريكي في العراق، فتم الحديث عن "صواريخ بالستية" و "قواعد" عسكرية ستخلق "توازن" جديد في المنطقة وبالتالي فإن الحركة السياسية لن تعود "إقليمية" بل مرتبطة بدول نووية لها حسابات إستراتيجية تتجاوز مسألة "الضغط السياسي" أو التصريحات الإعلامية التي تتحدث عن رسم جديد للشرق الأوسط.

- الثاني اتجه إلى مسألة "معاقبة إسرائيل" لتورطها المباشر في جورجيا، لكن المسألة تتجاوز هذا الموضوع ويرتبط بـ"الدور الإسرائيلي" داخل الشرق الأوسط الذي أصبح ممتدا إلى مختلف مناطق الأزمات في العالم، وهو ما يستدعي التعامل معه بشكل مختلف عما ظهر عشية تفكك الاتحاد السوفييتي، لأنه لم يعد عاملا محايدا فيما لو تم فصله عن الصراع العربي – الإسرائيلي، والواضح أن مساحة السياسية يمكن أن تولد أزمات بشكل مستمر.

في الجيوستراتيجية اليوم أكثر من موضوع العودة إلى الحرب الباردة، لأن شروطها غائبة على الأقل عند الحديث عن موازين القوى الدولية، فهناك تأثيرات مختلفة على المستوى الدولي توضح ان هناك "سباق سياسي" للتدخل في كل الأزمات أكثر من كونه محاولة لخلق ظروف جديدة تساعد على الاستقرار أو بناء توازن شرق أوسطي ينهي التوتر الموجود من بغداد إلى غزة.