يبقى التمثيل الدبلوماسي شأن يمكن أن ندخل إليه من زوايا مختلفة عن طبيعة الحدث اليوم، فحتى لو كان هناك ارتياح دولي فإن مسألة العلاقات تملك أبعادا إضافية لا تعيدنا إلى التاريخ بقدر كونها رؤية للقادم الذي يبدو وكأنه مرهون باختبار لـ"حسن النوايا"، وبالطبع فإن ما حدث خلال السنوات القليلة الماضية ربما يدفع للبحث من جديد في "مسألة الثقة" رغم أنها بقيت معلقة على التصريحا ت المتطايرة أكثر من كونها "بندا" في مسيرة البلدين.

مسألة العلاقات حددها مرسوم رئاسي، لكن وفي المقابل فإن إجراءات هذا التمثيل تحمل معها لائحة طويلة، تبد وكأنها تسير وفق أجندة بدأت بأكثر المسائل انتشارا داخل وسائل الإعلام، فكان الملف الخاص بـ"المفقودين" مسار مباحثات قام بها الجانبين، وهذا الموضوع على حساسيته رافقته أحداث خاصة، يمكن أن تسمى بـ"الأمنية" لكنه في واقع الحال صورة لحجم التراكم الذي يحكم "التناقض" داخل لبنان، ومن جهة أخرى قدرة هذا الأمر على "النفاذ" إلى سورية بشكل أسرع مما يتوقعه البعض.

وبالطبع فإن التمثيل الدبلوماسي بشكله الاجرائي يواجه هذا التحدي الذي يمكن أن يتخذ صورا إضافيه، لها جانبها الأمني وفي نفس الوقت تملك "سمة سياسية" لأن حالات التطرف لم تظهر بشكل "عبثي"، وكان واضحا أن "أجندتها" مرتبطة بالتجاذبات الإقليمية تجاه لبنان وسورية، فالتمثيل اليوم يحمل مؤشرين:

- الأول هو في عملية التحول في العلاقات إلى مستوى البحث والتفاوص، رغم كل الصخب الإعلامي الذي سبق هذا الموضوع، حيث جاء تطور العلاقات بشكل سريع لاستباق "الحالات" التي تحاول فرض نفسها داخل العلاقات بين البلدين، وبدا واضحا أن رغبة التعامل مع "التطرف" كحالة لا يمكن أن تتحول إلى أزمة سياسية بين البلدين.

- الثاني هو الانتقال بالعلاقات إلى مساحة تحاول خلق نقطة بداية خارج إطار التناقض داخل الساحة اللبنانية الذي يبدو انه ظاهرة سريعة الارتداد، فهي تتحول سريعا من الإعلام إلى مستوى "الأداء السياسي".

عمليا فإن الكلام عن العلاقات بين البلدين أصبح اليوم خارج مسألة "إعادة الثقة"، أو ما توحيه بعض التصريحات الدولية وكأنه "إجراء تتم مراقبته"، لأن مسألة الانفراج بين البلدين لا تحددها فقط مسألة التمثيل، بل أيضا الآلية السياسية القادرة على استيعاب نتائج "إزاحة" بعض العوامل في العلاقات بين البلدين، فهناك اتجاه مباشر لا يحتاج إلى قوى إقليمية، حتى ولو كان "البعض" يعتقد أن الظرف الإقليمي سيؤثر عاجلا أو آجلا على هذه العلاقة.

هناك مسار إضافي وسياسي بالدرجة الأولى وقدرته على تفكيك "المساحات الضائعة" في علاقات البلدين سيحكم نجاحه، لأن هذا التمثيل الجديد يتجاوز مسألة الاعتراف بسيادة لبنان، ويدخل في إطار تأسيس بعد للاستقرار الإقليمي، لأنه في النهاية يحاول كسر المعادلة التقليدية في مسألة العلاقات بين دمشق وبيروت ونقلها إلى بعد له ارتباط وثيق بـ"الدولة" كمؤسسة قادرة على تنظيم هذا الموضوع وتطويره.