الأسئلة التي يطرحها الاعتداء الأمريكي على سورية أكثر من مربكة، لأنها لا تتعلق فقط بنوعية "الاستباحة" التي تتعامل معها إدارة أمريكية سترحل مع نهاية العام، بل أيضا بإثارة أزمة مرتبطة أساسا بالعلاقة مع "العراق"، وربما بنوعية الاتفاقية الأمنية التي ستوقع عاجلا أو آجلا، فبعيدا عن أي مبررات يمكن أن تطرحها واشنطن بشأن الاعتداء لكنه في النهاية يفتح المجال حول نوعية التعامل مع دول الجوار في ظل عدم استقرار داخل العراق.

عمليا فإن الاعتداء لن يقتصر فقط على عدد من الشهداء، بل أيضا سيتحول باتجاه الإستراتجية الأمريكية القادمة، على الأخص إذا فاز المرشح الديمقراطي باراك أوباما الذي يريد "التغيير" حسب شعاره الانتخابي، فضمن مؤشرات أولية يبدو الاعتداء وكأنه:

- تحديد لخيارات الإدارة الأمريكية القادمة مهما كانت نوعيتها، لأنه يشكل قفزة في مسألة "محاربة الإرهاب" مع عدم احترام لسيادة الدول، وهو أمر مارسته إدارة بوش عبر طرق استخباراتية أكثر منها عسكرية، لكنها وفي الأشهر الأخيرة من عمرها ترسم خطا جديدا في هذا الموضوع، فملاحقة "الإرهابيين" خارج حدود العراق، هو "أمر واقع" حسب مفهومها يسير دون أي اعتبار لسيادة "الدول".

- تطبيق للاتفاقية الأمنية مع العراق قبل أن تصبح "شرعية" أو سارية المفعول، لأن ملاحقة "الإرهابيين" حسب الإدارة الأمريكية تم بالأمس بنفس منطق "المعاهدة الأمنية"، فالحدث على ما يبدو حسم الجدل حول توقيعها، وربما وضع المنطقة بأكملها أمام منطق جديد، ينتقل من مساحة "الاحتلال" إلى منطق رسم توازن عسكري، يمكن استخدامه تحت شعار مطلق وغير محدد طالما أن الارهاب أصبح مفهوما مسيطرا على السياسة بشكل كامل.

بالطبع فإن "الاعتداء" على سورية لن يحتل مساحة إعلامية واضحة داخل الولايات المتحدة، فالأزمة المالية والانتخابات الأمريكية تسيطر على مجمل "الهموم" الأمريكية، لكنه سيدخل ضمن "قانون" جديد داخل منطقتنا، لأن "حدود العراق" ستبقى "رمادية" في ظل الاحتلال وعدم الاستقرار الذي يشهده هذا البلد على الأخص مع تكسير المفاهيم الأساسية للدولة فيه، فنحن اليوم نتحدث عن "تحسن" و "استقرار" نسبي بدلا من أن نطرح مسألة استقلال الدولة، أو سيادتها، أو حتى علاقات إقليمية طبيعية.

أزمة الاعتداء الأخيرة تفتح مجال "الحدود" على مصراعيها مع "الاحتلال الأمريكي"، في وقت لم يعد منطق "الأمن" خاضعا لمعايير واضحة، فحتى مع ظهور إدارة أمريكية جديدة فإن التفكير سيتجه نحو عمليات التفكيك الاستراتيجي الذي مارسته الإدارة الأمريكية، ونتائجه الأخيرة في الاعتداء الأمريكي الذي تجاوز "الاستباحة" لكنه في النهاية يريد تأسيس "علاقات إقليمية" خارجة عن "الآليات" السياسية وقائمة على جعل الحدود نقاط أزمات أساسية في علاقات "دول جوار العراق".