JPEG - 14.9 كيلوبايت

وأدى اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المبكرة في العاشر من شباط المقبل، دوراً كبيراً في تحديد الموعد. كما أدّت مسألة اختبار معالجة «إخفاقات حرب تموز ضد لبنان لعام 2006»، دوراً حاسماً في تحديد ما بلغه العدوان من وحشية وبربرية، وخصوصاً في ما يتعلق بالتدمير وباستهداف المدنيين وبتجنب الخسائر البشرية الإسرائيلية (هذه جميعاً عناصر متكاملة في التكتيك العسكري الإسرائيلي).

ورغم محدودية الهدف الإسرائيلي المباشر هذا، فإنه كانت للعملية ضد غزة وأهلها ومقاومتها، أهداف أخرى غير مباشرة بالتأكيد. وهذه الأهداف تتصل بمجريات المفاوضات القائمة بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني (السلطة الفلسطينية)، وبحسابات راعي هذه المفاوضات، أي الحلف المكوّن من الإدارة الأميركية السابقة ومن «محور الاعتدال العربي». وفي سياق ذلك، كانت الحرب على غزة محاولة في الوقت الضائع من أجل تحسين شروط إسرائيل وحلف «الاعتدال» وواشنطن، تمهيداً لفرض شروط الاستسلام على المفاوض الفلسطيني لاحقاً دون اعتراض أو مقاومة أو عرقلة.

من هذه الزاوية المهمة وذات البعد الاستراتيجي، يمكن فهم مسارعة دول «الاعتدال» إلى تحميل المسؤولية لحركة «حماس» في التصعيد وفي استدراج العنف الإسرائيلي. ومن هذه الزاوية أيضاً، يمكن فهم التواطؤ الرسمي المصري في إقفال معبر «رفح» إلا بشروط اتفاقية 2005، حيث لا مكان لـ «حماس» (رغم أنها أصبحت، بعد الاتفاقية المذكورة، تقود الحكومة الفلسطينية بعد انتخابات مشهود بنزاهتها حصلت فيها على أكثرية المقاعد في المجلس التشريعي الفلسطيني). ومن هذه الزاوية أيضاً وأيضاً، يمكن فهم التواطؤ السعودي، المدفوع بعدة أسباب (أبرزها التحالف مع واشنطن) من بينها محاولة تأديب «حماس» التي استعصت على الاحتواء وخرقت الاصطفاف المذهبي ضد «الهلال الشيعي»، و«العربي» ضد الفارسي...

أما التواطؤ الغربي، فلم يكن مجرد تعبير جديد عن العجز عن بلورة موقف مستقل عن سياسة الإدارة الأميركية بشأن قضايا المنطقة (رغم التمايز الفرنسي المحدود)، بل جاء تكريساً لموقف خاطئ يرى في «حماس» منظمة «إرهابية» وفق تصنيف أميركي ــ إسرائيلي استقوى أيضاً بسياسات حلف «الاعتدال العربي»، كما أشرنا سابقاً. وفقاً لهذا المناخ، استطاعت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني أن تقول إن «العالم معنا في حربنا الدفاعية ضد الإرهاب». وبناءً على هذه الصورة المشوهة والمغلوطة، بات المجرم ضحية وبالعكس، وباتت المشكلة تكمن في بضعة صواريخ بدائية تطلق من غزة (بشكل دفاعي)، وليس في الاحتلال الجاثم على صدر الشعب الفلسطيني منذ ستة عقود على الأقل.

أفسد صمود مقاومي وأهل غزة هذه الرغبات جميعاً: الإسرائيلية والأميركية والغربية والعربية (وحتى جزئياً الفلسطينية). وجاءت النتائج تكرس ذلك في سلسلة تتواصل حلقاتها تباعاً وفي المديين العربي والدولي، وفي الزمن، وبحجم يفسح للاستنتاج بأن ما بعد الحرب على غزة لن يكون كما قبلها: - ــ تقع أهم النتائج في إعادة الاعتبار إلى القضية الفلسطينية التي حل مكانها الصراع مع «الإرهاب» ومع إيران. - ــ وبعودة وهج القضية الفلسطينية، سقطت التسوية التي كانت في الشكل وفي العلن تقوم على دولتين. أما في الواقع، فكانت تهدف إلى تكريس دولة إسرائيل العنصرية اليهودية دون سواها، وتشتيت الفلسطينيين مجدداً بين الأردن ومصر وبقية أماكن الشتات، في ملحقات تابعة وخاضعة وممزقة ببطش السلطات وبعسف وإرهاب قطعان المستوطنات. - ــ والتسوية المذكورة ليست فقط الفلسطينية ــ الإسرائيلية، بل العربية ــ الإسرائيلية بالدرجة الأولى. وقد كان معبراً خطاب الملك السعودي في قمة الكويت عن مدى الخيبة الرسمية العربية. وهي خيبة ناجمة عن فشل الرهانات وعن حجم الجرائم الإسرائيلية التي لم تنفع في إسقاط غزة ومقاومتها، وعن مدى الغضب في الشارع العربي ضد المجرمين والمتواطئين (وفي مقدمتهم أنظمة «الاعتدال»). - ــ التحولات في المواقف: المثال التركي هنا خير مثال!

لا نبحث بين أظافرنا إذن عن أسباب لإضفاء صفة الانتصار على صمود غزة ومقاومتها، وصفة الفشل على الحرب الإسرائيلية عليها، رغم فداحة الخسائر البشرية والمادية التي إذا قيست نسبتها بنسبة عدد سكان الولايات المتحدة لفاقت، في مستوى الخسائر البشرية، المليون أميركي في ثلاثة أسابيع فقط! إنه الواقع هو الذي يجعل ما بعد صمود غزة عنواناً لمرحلة جديدة في كفاح الشعب الفلسطيني من جهة، وفي الصراع ضد مشاريع الهيمنة الأميركية، من جهة أخرى. إنّ الاشارة إلى حجم وأهمية بعض نتائج المعركة في مستويات الصراع كلها، يطرح قضايا في غاية الجدية بالنسبة إلى القوى المنخرطة في هذا الصراع من موقع الاعتراض على المشاريع الأميركية والصهيونية. ويأتي في مقدمة ذلك، بلورة مشروع فلسطيني إنساني ــ ديموقراطي، في مواجهة المشروع العنصري ــ الصهيوني. ولعل تجربة «حماس» نفسها هي أول دافع إلى السعي من أجل ذلك. فكما أن الحركة الإسلامية لم تكن مستهدفة بسبب تدينها، كما أكد السيد حسن نصر الله، كذلك فإن الدعم الذي حظيت به، كما الإجرام البربري، كان لأسباب سياسية أيضاً.

لا يعني ذلك أن يتخلى أحد عن خلفياته الايديولوجية والعقائدية، بل يعني أن توضع قضايا الصراع في موقعها السليم بعيداً عن ردود الفعل التي تشابه الفعل الخاطئ نفسه، ولو من موقع النقيض الشكلي له. إن وحدة الانتماء الديني والمذهبي لم توفر لـ «حماس» من جانب «خدم» الحرمين الشريفين وحلفائهم، التعاطف والدعم. لقد جاء الدعم على قاعدة الموقع من الصراع، لا على قاعدة الانتماء الديني الذي غالباً ما سخّره متاجرون أو غزاة من أجل تعزيز مواقعهم ومصالحهم قبل سواها.

ويفرض ذلك أيضاً، مرونة لا بد منها في التعامل مع موضوع الوحدة الوطنية الفلسطينية. وهي وحدة يجب أن تُبنى من جديد على أساس برنامج كفاحي شامل، لا مانع أبداً من أن يتمرحل ــ على طريق بناء دولة ديموقراطية في فلسطين يتعايش فيها الجميع بشكل متساو وحر ــ في صياغة دولة مؤقتة (تاريخياً) ذات سيادة وقدرة على الحياة.

أما في الجانب المهم الآخر والمتصل بـ «محور الممانعة»، فثمة حاجة إلى ترصيد تجربة النجاحات في صيغة استخلاص عبر، لا بد منها، من أجل الانتقال نحو صيغة مواجهة أكثر شمولية وفعالية. ولكي تكون كذلك، يجب أن تكون متعددة الركائز في الحقول السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ويجب أن تحتل قضية المشاركة والديموقراطية حيزها الضروري تبعاً لجذرية المواجهة من جهة، ولضرورة توفير مقومات نجاحها، من جهة اخرى.

وفي الجانب الذي يتناول قوى التغيير الشعبية، تطرح مهمات لا تقل أهمية بشأن: أولاً الحسم بشأن الأولويات. والأولوية هنا هي لمواجهة المشروع الأميركي ــ الصهيوني الذي توسع في السنوات الأخيرة ليشمل أنظمة وقوى كانت تكتفي حتى ذلك التاريخ بالسكوت أو بالتواطؤ... والثاني بلورة المستلزمات الضرورية للانخراط في الصراع وفق هذه الأولويات، ومن ضمن عملية تمايز لا تُخل بها، بل تضفي عليها طابع الغنى والتنوع وتحدي الارتقاء إلى مستوى أرفع.

هذه عناوين متلازمة ومتكاملة في معركة واحدة ومصيرية من أجل ألا تذهب سدى دماء أطفال غزة وتضحيات وصمود شعبها ومقاوميها، ومن أجل أن تهزم العنصرية الصهيونية المجرمة فلا تتكرر المآسي والمجازر في فلسطين أو لبنان أو العراق أو مصر أو سوريا، ومن أجل ألّا يجرؤ، مرة أخرى طامع أو غازٍ على الاعتداء على سيادة بلد أو كرامة شعبه من أجل النهب والنفط والدولارات!