يصل جورج ميتشل إلى دمشق في "أجواء تسوية" توحي بأن مهمته على الجانب العربي ربما تكون أسهل من التعامل مع "الحكومة الإسرائيلية"، فقرار توسيع جولته لتشمل دمشق يعتبر مؤشرا أساسيا من الإدارة الأمريكية على رغبتها في تحقيق اختراق داخل "المعادلة الصعبة" في دمشق، وربما تأخرت زيارته إلى دمشق حتى انتهت واشنطن من طرح المقدمات السياسية التي ظهرت في خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما في القاهرة.

بالطبع فإن جولة مبعوث السلام الخاص بالشرق الأوسط تتعامل اليوم مع معطيات سياسية عربية بالدرجة الأولى، فـ"أجواء التسوية" كانت واضحة بعد الانتخابات اللبنانية، وعلى الأخص في الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس بشار الأسد مع خادم الحرمين الشرفيين الملك عبد الله، في وقت ظهرت في بيروت تحركات باتجاه التعامل مع المعادلة "القديمة - الجديدة" بعد فوز المولاة بشكل مختلف، فبالنسبة لـ"ميتشل" لم تعد إدارته مضطرة لخطوات صعبة تجاه لبنان، في وقت تظهر فيه بوادر بان "الأزمة اللبنانية" ستوكل للجانب العربي هذه المرة.

عمليا فإن الجولة الحالية لمبعوث السلام ربما لا تحمل الكثير من الآليات الخاصة بالتسوية، لكنها في دمشق ستبدو مختلفة من عدة نقاط:

- الأولى مرتبطة بطبيعة ربط عملية التسوية بباقي أزمات المنطقة، فهناك تزامن واضح بين ما يقوم به ميتشل والتحركات الأخرى وعلى الأخص ما تردد عن زيارة "وفد عسكري" أمريكي إلى دمشق، فالعلاقة مع الولايات المتحدة تقوم اليوم على "طرح الأزمات"، وربما البحث في التقاطع الحاصل بينها وبين عملية التسوية.

- الثانية العلاقة ما بين مسار التسوية السوري - "الإسرائيلي" وما يتم الحديث عنه حول "خلافات" أمريكية مع حكومة ببنيامين نتنياهو، فهذا الموضوع يرتبط بالاتجاهات السياسية التي تحكم التوجه "الإسرائيلي" عبر إعادة صياغته للسلام وفق واقع يتم تبديله باستمرار، فحديث الرئيس أوباما عن علاقة أمريكية - إسرائيلية "غير قابلة للكسر"، تقابله مطبات سياسية لا تعرقل فقط "التسوية" بل تتجاوزها إلى ملفات أخرى مثل الملف الإيراني، وحتى علاقات دمشق وع طهران.

- الثالثة مسألة "مدريد2" وهو أمر رفضته دمشق أكثر من مرة، وذلك وفق توجه يسعى للحد من "المرجعيات الدولية" التي تشتت التسوية وتضع شروط إضافية أمام الجانب العربي، وإذا كان ميتشل يسعى حاليا باتجاه "تسوية متعددة الأطراف" فإنه بلا شك يحتاج لجمع المسارات من خلال "طاولة" واحدة مع أطراف دولية أخرى، وهذا الإجراء يبدو كجمع متناقضات الصراع على مساحات واحدة، ووفق المؤشرات فإن دمشق "ربما" تفضل مؤتمر موسكو على العودة إلى إنعاش مدريد بالتزامات جديدة ستصب باتجاه الجانب العربي الذي طالبه أوباما بمزيد من التنازلات.

مهمة ميتشل بلا شك صعبة، لكن الهم هو التحرك السوري الذي سيكون أصعب لأنه يتحرك على مساحة من الأزمات أوسع بكثير من مسألة "التسوية" لأنه ينتقل إلى آليات الاستقرار بالشرق الأوسط إضافة للحقوق التي تسعى سورية لاسترجاعها من الاحتلال الإسرائيلي.