التعبير الذي استخدمته صحيفة الحياة حول مباحثات الرئيس المصري حسني مبارك والعاهل السعودي الملك عبد الله يثير أكثر من تساؤل، لأن مصطلح "تفتيت الأزمة" دقيق لأبعد الحدود، وتم اعتمادها كتكتيك سياسي طوال السنوات الأربع الماضية، فهو ليس جديدا لكنه ربما يأخذ اليوم أبعادا إضافية في ظل "افتراض" ظهور انفرجات على الساحة الإقليمية.

بالطبع لا يمكن إغفال توقيت هذه القمة التي جاءت بعد حدثين أساسيين: الأول الانتخابات اللبنانية والثاني الانتخابات الإيرانية، وفي كلا الحدثين هناك مؤشرات على تعامل إقليمي مختلف، ربما يطلق عليه البعض"القوة الناعمة"، وهو في الواقع الحال يعيدنا إلى زمن "رسم الأزمات" السياسية، فما حدث على جناحي ما يسمى "محور الممانعة" ربما يعيد ترتيب الأوراق أو حتى البحث عن "شروط" لأي مصالحة قادمة سواء في موضوع التسوية، أو حتى في "المصالحة العربية" التي تعثرت منذ لحظة انطلاقتها.

وهناك مقاربة واضح في مسألة "تفتيت الأزمة" بين عهدي الرئيس السابق جورج دبليو بوش والرئيس الحالي باراك أوباما، أن إشاراتهما السياسية مختلفة حيث نلاحظ:

اتضحت صورة تفتيت الأزمة منذ احتلال العراق، ولكنها تجلت بفضح المتناقضات التي بدأت في لبنان ثم فلسطين، هذا إذا استثنينا الواقع العراقي الذي كشف عمليا نوعية جديدة من إعادة صياغة الخلافات الإقليمية، والصورة التي رسمتها عملية التفتيت هي الانتقال من الأزمة إلى خلق صراع إقليمي انتهى بعملية فرز واضحة، بينما يبدو أن "التفتيت" الحالي هو تفكيك لجبهة كاملة على جانبي المعادلة الإقليمية، فرغم ان الحديث الإعلامي يدور باتجاه "ضعف" الدور الإقليمي لإيران وقبله خسارة المعارضة في لبنان، لكن "جانب الاعتدال" إن صحت هذه التسمية ليس أوفر حظا، فالحدث الإيراني واللبناني يعيد الأزمة لنقطتها الأساسية في وقت لا يتوفر نفس الدعم الأمريكي للأطراف التي تتحدث عن تفتيت الأزمة. مسألة تفتيت الأزمة اليوم ربما تذهب خارج إطار "الواقع المذهبي" الذي استخدم بعد حرب عام 2006، فتبريد الجبهات الذي مارسته إدارة أوباما سيؤدي إلى "المواجهة" السياسية بين الدول، وذلك عبر استراتيجياتها تجاه القضايا الأساسية المتعلقة بالصراع العربي - الإسرائيلي، ومسائل التسوية، وهي مواجهة دبلوماسية بدأت مع زيارة ميتشل وربما ستستمر حتى أيلول القادم عندما تضح معالم الآليات الأمريكية، والملاحظ ان نشاط "التقارير" الإعلامية ترتفع وتيرته خلال هذه الأشهر باتجاه الحديث عن "صفقة" أحيانا، أو حتى عن فتح ملفات قديمة مثل "الملف النووي السوري"، وإثارة مثل هذه الأمور تبدو كـ"أسلحة ناعمة" داخل العملية السياسية التي لن تستمر طويلا، وهي مرهونة في النهاية بالوصول إلى اتفاقيات إقليمية أكثر من كونها مجرد انفتاح أمريكي على المنطقة، أو إرسال سفير أمريكي إلى دمشق. الجبهات السياسية المفتوحة عربيا على الأقل تحاول تجاوز نقطة ارتكاز الأزمات، وعملية تفتيها لن يؤدي إلى نقطة جديدة لاستقرار المنطقة، فالمصالحة العربية التي تبدو اليوم لا تقوم حتى على نوعية "العداء الإسرائيلي"، بل على طبيعة التوازنات العربية، وعلى الحلفاء الإقليميين والدوليين، وهو الأمر الذي يمكن أن يجعل "التفتيت" خطر جدا.