كان علينا أن نوقف الزمن في اليوم العالمي للغة الأم، لأن قصتنا مع اللغة لا تبدو أكثر من طواحين هواء حتى الآن، فهناك من يهوى "شتم المتنبي"، بينما يقوم البعض بإحياء الكلمات التي سقطت من القاموس المستخدم حاليا، وتعود اللغة الأم إلى مسارها بعد يوم واحد لا يبدو كافيا لاسترجاع ما نراه أو نبحث عنه في هذه اللغة التي نفكر بها فترسم شخصيتنا وفق قدرتنا على التعامل معها ككائن حي، وليس حروفا متلاصقة.

قضيتنا مع اللغة ليست في حرص البعض على "إحياء" تراثها، أو اعتراض آخرين عليها ووضعها ضمن "اللغات الميتة" رغم أنهم يعبرون عن هذا الرأي بالعربية، وهم ربما لا يعرفون غيرها كلغة يمارسون من خلالها نشاطهم الثقافي، فهي في النهاية "اللغة" الوحيدة التي نتواصل فيها حتى ولو ضاق التعبير بنا أحيانا، أو عجزنا عن التحول بها باتجاه الإنتاج الثقافي القادر على رسم دهشة عند المتلقين والجمهور المتعب من تكرار نفس الكلمات، فقاموسنا محكوم فقط بالمفردات، وهو ينتظر أن يظهر فتح جديد يجعل من نفس المفردة صورة جديدة أو مساحة لخيال مبتكر، فاللغة الأم ربما تواجه مخاطر وسائل الاتصال الحديثة التي خلطت الأوراق أمام الجميع، لكنها في النهاية رسم لمساحة الفكر مهما تعددت العوامل الوافدة عليها.

في لغتنا الأم ربما لا نلاحظ مدى الترابط بين حروفها ومزاجنا الحضاري، فديوان الحماسة للمتنبي لم يستمر بسبب تمسكنا بالتراث بل لأن قدرة التحول عندنا مازالت تتبع أطول واعقد خط يمكن أن يوصلها إلى "المستقبلية"، وفي نفس اللغة الأم كان باستطاعة نزار قباني نشر المفردات المخبئة على شكل عشق فريد، وربما ملامح للجنس لم نكن ندرك أنها قادرة على تكوين "أدب" مختلف.

ومن اللغة الأم مازال أدونيس يكتب تصوره الجديد وحتى رؤيته للتراث، ومن نفس هذه اللغة غنت فيروز.. فكيف يمكن ممارسة اللغة العربية بدون التفكير بأن الجملة التي نضعها لا تحوي من "الفرزدق" أو "جرير" أو حتى "أبو العلاء المعري" سوى السياق المستمر الذي يحمل إمكانيات التطور والارتقاء رغم اعتراض البعض على النصوص التراثية، فالرياضيات أيضا لغة، لكننا لا نجد من الرياضيين من يشتم "إقليديس" أو يراه غير مفيد اليوم، رغم أن الرياضيات الحديثة تملك هموما مختلفة تماما عن زمن الإغريق.

اللغة الأم في النهاية مسؤولية الجميع، سواء اعتبروها لغة غير قابلة للتطور أو عكفوا على التراث وكأنه الكنز الوحيد الذي نملكه، فتفكيرنا هو نقطة الارتكاز في هذه اللغة المستمرة فينا أو الباقية ربما يحكم الدفع القديم، لكنها في النهاية تحلق بنا عندما نقرر أن نتحرر من نمطية المفردات ووضعها في مساحة من الدهشة. فعندما نقلق على اللغة يبدأ الإبداع بالظهور