القصة لا تبدأ من تصريحات كلينتون فقصة سوريا مع إيران تبدو أعقد من تعاقب السياسات، وبقاء إيران جغرافية مفتوحة بالنسبة للولايات المتحدة، حيث تظهر العقدة الأساسية في عدم قدرة الولايات منذ عهد الرئيس السابق جيمي كارتر على التعامل مع التحول الخاص بالشرق الأوسط منذ نهاية السبعينيات، فالولايات المتحدة واجهت عمليا منطقة شرق أوسطية مفتوحة على احتمالات خارج الإستراتيجية الأمريكية، وفي المقابل فإنها حاولت التعامل مع هذا الموضوع ضمن إطار الحد من الدور الإقليمي لها، لكنها في المقابل عجزت عن إيجاد شكل استراتيجي يمكن عبره استيعاب الدور الإيراني الذي أصبح عامل أساسيا في رسم ملامح المنطقة عموما.

والبحث في مسألة إبعاد سورية عن إيران تدخل في إطار الحد من الدور الإقليمي لإيران، وهي تقدم صورة للإخفاق في التعامل مع التحولات التي فرضت تحكما مختلفا في منطقة الشرق الأوسط، وخلق آليات للعوامل الجديدة التي يمكن ان تؤثر على سير الأزمات فيها، وهو أمر ربما أدركته سورية منذ الثمانينات، فمسألة العلاقات مع طهران بدت في صورة مختلفة بالنسبة للنظام الإقليمي، على الأخص أن إيران كانت في حالة حرب مع العراق، إلا أن الموضوع الأساسي في البناء الإقليمي اعتمد بشكل أساسي على أمرين:

* الأول أن النظام العربي لم يكن قادرا على فرض شروطه داخل النظام الإقليمي، فالصراع الدولي يبدو في الشرق الأوسط أكثر حدة، كما أن المصالح الإستراتيجية الدولية مازالت حتى الآن تتجه نحوه، وكان واضحا أن الحرب العراقية - الإيرانية هي صراع على رسم ملامح المنطقة، وهو أمر يتكرر اليوم في الملف النووي الإيراني الذي سيشكل مستقبلا توازنا آخر، فالمسألة ليست ارتباط سورية بإيران او العكس، بل هي في نوعية التوازن الذي يمكن ان تفرضه الدولتان داخل أزمات المنطقة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن إيران ليست مغلقة بالمعنى "الجيوبولتيكي" وهو أمر يعطيها أولوية على باقي دول المنطقة التي لم تشكل عقدة بالنسبة للاستراتيجيات الدولية. * الثاني أن التماس مع "إسرائيل" فرض شروطه في مجمل العلاقات العربية أو حتى الإقليمية، فالابتعاد عن إيران يحكمه هذا التماس بكل ما يفرضه من احتمالات الحرب أو حتى إمكانيات التسوية، وفي كلا الحالتين هناك ضرورة لزيادة الضغط الاستراتيجي مع حلفاء إقليميين، وهو ما يدفع دمشق إلى التمسك بهذه الإستراتيجية سواء مع إيران أو حتى تركية، مع الإقرار أن التوافق السياسي لا يمكن أن يصل لمرحلة "التطابق" الذي يشكل حالة افتراضية لا علاقة لها بالسياسة.

بالطبع فإن هيلاري كلينتون ستبقى تكرر مسألة إبعاد سورية عن إيران لأن هذا الموضوع هو شان إقليمي متعلق بإستراتيجيتها وليس فقط بمسألة "التسوية مع إسرائيل"، والعلاقات بين البلدين ليست تحديا للولايات المتحدة لأنها تحد في وجه واقع إقليمي تحكمه صيغ "الدول المغلقة" التي ظهرت وفق الخارطة النفطية أحيانا أو طبيعة الممرات المائية أو حتى بحكم الضرورة نتيجة "تأسيس إسرائيل"، فنظرية الابتعاد عن إيران هي في النهاية تعبير آخر عن عدم القدرة على إيجاد استراتيجيات بديلة يمكنها استيعاب الأزمات والمصالح دون التصادم مباشرة مع الدول.